طبقات النقد

من الذهب والدولار إلى

البتكوين

وعملات المصارف المركزية الرقمية

نِك باتيا


هذا الكتاب مُهدًى إلى زوجتي وشريكة حياتي تشاندني وابنتنا الحبيبة ريا تارا.


المحتويات

Layered Money

Copyright © 2021 by Nik Bhatia

All rights reserved.

All rights reserved. No part of this publication may be reproduced, distributed, or transmitted in any form or by any means, including photocopying, recording, or other electronic or mechanical methods, without the prior written permission of the publisher, except in the case of brief quotations embodied in critical reviews and certain other noncommercial uses permitted by copyright law.

ISBNs in English: Paperback: 978-1-7361105-2-2 Hardcover: 978-1-7361105-1-5 Ebook: 978-1-7361105-0-8

استهلال

نشاهد اليوم جميعًا نظامًا نقديًّا عالميًّا على شفا التجديد، وهو أمر قلّما يحدث. كُتب هذا الكتاب ليكون وصفًا طبوغرافيًّا للنقد في مفترقات الطرق التي نعيشها. تساعدنا الخرائط على السياحة في التضاريس والأقاليم، ولكن الخرائط لم تكن قبل الآن مرتبطة بالنقد. يقدّم هذا الكتاب خريطة لنظامنا المالي منذ نشأته إلى اليوم، وصورة أولية لخريطة النقد الرقمي في المستقبل. ويعطي القارئ إطارًا جديدًا هو طبقات النقد لوصف نظامنا المالي وهو يتطور، ليساعده على التنقّل في تضاريس النقد، ويشرح له أنواع المال المختلفة ويقارن بعضها ببعض.

بتتبّع تطور طبقات النقد، نكتسب منظورًا رائعًا عن كيفية تعامل البشر مع عملاتهم المختارة وسبب اختيارهم لها. وإلى جانب تفصيل تطوّر العملات، يطرح هذا الكتاب سؤالًا أساسيًّا: بمَ سيأتي مستقبل النقد؟ يقول كثيرون: «سيكون رقميًّا»، ولكن النقد من الآن رقمي عند كثير من الناس. في الدول المتقدمة، تستعمَل الهواتف الذكية لإدارة الحسابات والدفع، ويستسلم الناس شيئًا فشيئًا لانعدام النقد المادي. أما الآن وقد أسر البتكوين المخيّلة النقدية للعالم، فقد أصبح للـنقد الرقمي معنًى جديد آخر.

من أسباب هذا الغموض، أن علم النقد، أو دراسة المال، ليس فيه الإطار العملي أو النظري لفهم البتكوين، وهو محتاج حاجة ماسّة إلى تحديث جديد ليحتوي هذا النوع الجديد من النقد. تحديثات علم النقد نادرة جدًّا، وعلينا أن ننظر إلى الماضي لنعرف أثر البتكوين على مستقبل النقد، ونشرح التحديث الهائل القادم. وهذا التحديث مستحق، فالبتكوين وتكراراته الكثيرة هو البداية الجديدة للشفافية والاختيار اللذان يحتاجهما العالم اليوم.

هذا الكتاب محاولةٌ لشرح هذا الإدماج للبتكوين في النظرية النقدية، وشرح ما سيغيّره في قدَر نظامنا النقدي. ولكي نحاول هذه المحاولة، لا بد لنا من فهم علم النقد نفسه، الذي كان تاريخيًّا محصورًا بأصحاب الدكتوراه في الاقتصاد— فلا يفهم كثير من الناس من أين يأتي النقد، أو ما هو النظام النقدي. يستهدِفُ هذا الكتاب صياغة النظام النقدي صياغةً جديدة للفرد العادي، وشرحه من البداية.

والأهمّ أن القرّاء سيكتسبون فهمًا طَبَقيًّا للنقد من قراءة هذا الكتاب. باستعمال المصطلحات الطبقية الأصيلة، سيشرح هذا الكتاب لمَ بدأ الناس في استعمال الأنظمة النقدية وتركوا المسكوكات، وكيف تطورت هذه الأنظمة، وكم تعقّدت وتطبّقت مع الوقت. وللقرّاء أن يستعملوا هذا الكتاب ليفهموا في أي طبقةٍ تقع أصولهم، وليتنقّلوا بين طبقات النقد. في العالم المستقبلي، الذي تسود فيه حرية اختيار العملة، ستكون القدرة على التنقّل في خريطة النقد قوة لصاحبها.

شرح طبقات النقد

قبل بدء حكاية طبقات النقد، يحسُن أن يُقدَّم للقارئ مثال موجَز وتبيين لإطار العمل. أوضَح الأمثلة على المصطلح الجديد هذا هو العلاقة بين مسكوكة الذهب وشهادة الذهب منذ عام 1928 في الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا المثال، كان مكتوبًا على شهادة الذهب هذه العبارة:

تشهد هذه الورقة أن في خزينة الولايات المتحدة الأمريكية إيداعًا بعشرة دولارات مسكوكة من الذهب تُدفَع لحاملها عند الطلب.

فلنفسّر هذه العبارة باستعمال المصطلحات الطبقيّة. نقد الطبقة الأولى، أي مسكوكة الذهب، محفوظ في خزانة. نقد الطبقة الثانية، أي شهادة الذهب، مطبوع ومتداول في السوق بدلًا من المسكوكة. لهذه الورقة قيمة عند من يملكها، وهو المسمّى حاملها. المسكوكة نقد، والشهادة نقد، ولكن بينهما فرقًا نوعيًّا. هذه العلاقة بين طبقتي النقد (الشكل 2) طريقة أخرى لوصف ورقة ميزانية فيها أصول ومسؤوليات (الشكل 1).

الشكل 1

الشكل 2

إذا اجتهدنا في تطبيق هذا الإطار الجديد على علم النقد وتتبّعه إلى بدايته، ستظهر لنا قصّة عظيمة، هي التاريخ الشامل للنقد. مع إعلان اللاعبين الكبار في النظام النقدي الدولي عن عملاتهم الرقمية القادمة، صرنا في حاجة إلى طريقة واضحة لتحليل التغييرات القادمة، ولكننا لا نستطيع أن نفعل هذا بالمصطلحات المالية الحالية الشائعة. يجعل هذا الكتاب المال نظامًا طبقيًّا، لأن في ذلك طريقةً أوضح لمفهمة التغييرات القادمة إلى نظامنا المالي، الذي ينفجر كلَّ بضع سنوات عن فوضى مؤقّتة لا يطفئ نارها إلا زيادة تدخّل الحكومة والمصرف المركزي في السوق.

إن لدينا طريقًا إلى مستقبل أشد استقرارًا. يشرح هذا الكتاب طريقًا يعتمد اعتمادًا شديدًا على الابتكارات التقنية التي أدمجت علم النقد بعلم لم يكن من قبل مرتبطًا به: علم التشفير (أو التعمية). مع انتشار علم التعمية في العقول والأسواق في أرجاء العالم منذ عام 2009، يضطرّ العالم المالي شيئًا فشيئًا إلى ترك أنظمته القديمة واعتناق أنظمة جديدة، كما فعل الإنترنت لصناعات كثيرة قبل مطلع هذه الألفية. لا بدّ من التأنّي عند تخيّل هذه الأنظمة الجديدة، لذلك سنستعمل هذا الإطار الطبقي الجديد لنشرح كيف ستتبدّى. ما الدور الذي ستلعبه العملات غير الحكومية في المستقبل؟ هل سيتعايش البتكوين مع عملات الحكومات أم سيحل محلها؟ تضطرّنا هذه الأسئلة إلى دراسة طبقات النقد. بدأ الأمر بمسكوكة ذهبٍ صُكّت عام 1252.

الفصل الأول

فلورين الذهب (Fiorino d’Oro)

أعاني ورِفاقي داءً في القلب لا يُعالجه سوى الذهب.  —هيرنان كورتيز

قبل ظهور طبقات النقد، كان النقد بسيطًا مجرّدًا من الوصف. المال عند جنسنا البشري أداةٌ تتيح لنا أن نتقدّم ونتجاوز الإيثار المتبادل، الذي تتبادل فيه الحيوانات المصالح، كما عند تزاوج القرود.[1] يفضّل بعض الناس أن يسمّوا المال وهمًا مشتركًا، ولكن كلمة وهم تقتضي أن كل أنواع المال لا أساس لها في الواقع. الأفضل أن يُقال إن بعض أنواع المال أوهام مشتركة، أما بعضها الآخر فقد يثبت أنه حقيقي مع تطاول الزمن.

استعمل البشر الأصداف، وأسنان الحيوانات، والحليّ، والمواشي، وأدوات الحديد، أدواتٍ للمقايضة آلافًا من السنين، ولكنهم استقرّوا أخيرًا على الذهب والفضّة في الألفيات القليلة الخالية، وأصبح المعدنان نوعين مقبولين عالميًّا من العملة. إن في هذين العنصرين الكيميائيين شيئًا من النفاسة، لذا توّجهما البشر مالًا طبيعيًّا. هذا التتويج كان مسؤولًا عن تقدّم كبير في عولمة الحضارة الإنسانية، لأن المعدنين النفيسين قدّما طرائق لحفظ الثروة بين الأجيال وسهّلا التجارة بين الغرباء في زوايا الأرض المختلفة.

لم يكن اختيار المال أمرًا سهلًا دائمًا. لقد ظلّت الأصداف أداةً تامّة للتجارة في الأماكن البعيدة عن المحيط، ولكنها كانت كثيرة على شاطئ البحر، ولذا لم تكن أداة عظيمة لتخزين القيمة بين الأجيال والقارّات. كانت أدوات الحديد قيّمة للصيد والحرابة وحفظت القيمة قرونًا كثيرة ولكنها لم تكن أفضل وسيط مالي لأنها لم تكن ذات محمولية ولا مقسومية، خلافًا للأصداف. أما المعدنان النفيسان ففيهما هاتان الصفتان، لذا أصبحا تدريجيًّا متَّفقًا عليهما على أنهما أفضل نوع من المال.

النقد ليس مجرد وسيط للمتاجرة ولا مجرد مخزن للقيمة، بل هو نظام إحصاء. هو نظام تسعير، وحساب عائدات وأرباح، يجعل كل النشاط الاقتصادي تحت تقويم محاسبي واحد. الأصل اللاتيني لكلمة denomination الإنكليزية (وتعني التقويم، والفرقة الدينية)، هو nomin أو name، أي اسم. الفرق الدينية هي طريقة يتّخذها الناس لتسمية معتقداتهم الدينية الخاصة، كما أن تقويمات الحساب طريقة يتّخذها الناس لتسمية عائداتهم وتكاليفهم وأرباحهم. عندما يجتمع الناس ويتفقون على تقويم محاسبي موحّد، يصبح تسعير السلع والخدمات أسهل لأن الجميع متفق على ماهية النقد. عندما يستطيع الجميع أن يسمّوا سعرهم بالتقويم نفسه (أي بالعملة نفسها)، يزدهر النشاط الاقتصادي.

لكن التقويم بالذهب لم يكن كافيًا. فرضت التجارة بالحلي والسبائك والكتل قياسًا مستمرًّا لأوزان الذهب ونقاواته، فأصبح التقويم بالذهب مطلقًا غير نافع. سيظهر هذا الفصل كيف حلّت المسكوكات هذه المشكلة بطرح الأوزان والنقاوات وأهلية الثقة.

المسكوكات الأولى

تتبّع أبو التاريخ، المؤرّخ الإغريقي هيرودوتس، أوّل مظاهر مسكوكات الذهب والفضّة إلى ليديا، وهي تركيا اليوم، نحو عام 700 قبل الميلاد. يعود الدليل إلى استعمال حلي الذهب والفضّة مالًا، عشرات آلاف السنين، ولكن وصول المسكوكات حوّل هذين المعدنين النفيسين إلى تقويمات حسابية مضبوطة. كانت صورة أسد زائرٍ منقوشةً على مسكوكات ليديا، وكانت تزن 126 حبّة، أي نحو 8 غرامات. ولمّا صار للمسكوكات جميعًا مقدار الذهب نفسه، أمكن استعمالها وحدةً للحساب. قد تبدو المسكوكات الموحّدة الأوزان اليوم النوع الأوضح من المال الذهبي والفضي، ولكن المعدنين النفيسين حملا هالةً عالميّة للعملة آلافًا من السنوات قبل سك أول عملة ليديّة. بتوحيد الأوزان، أشعلت المسكوكات ثورة في البساطة وغيّرت النقد إلى الأبد. أنهت هذه المسكوكات الحاجة إلى وزن واختبار نقاوة كل قطعة معدن قبل المتاجرة، وغيّر هذا التأقلم البسيط عالم التجارة إلى الأبد.

فما أهمّ صفات المسكوكات، وما الذي جعلها ثورةً في عالم النقد؟ أوّلًا، كانت المسكوكات مصنوعة من معادن متفق على نفاستها ومتانتها وندرتها، وهو أهم شيء. للذهب والفضة تاريخ ثابت يمتدّ آلاف السنين من الماليّة، فضرب المسكوكات من هذين المعدنين ضامن للطلب الطبيعي لها. لو كانت المسكوكات مصنوعة من الحجارة مثلًا، لما كان لها هذا الطلب، لا سيما والحجارة الشائعة لا نفيسة ولا نادرة.

ثاني أهم خصيصة في المسكوكات هي أنها قدمت قفزة إلى الأمام في المال وفي الحضارة الإنسانية، هي النقد أو المال الشرويّ، أي الذي تستوي وحداته ويمكن تبديلها. الشرويّة بين شيئين، هي تساوي قيمتهما وعدم اختلافها، كالعلاقة بين أي ورقة دولار وورقة دولار أخرى. كل المسكوكات التي ترجع إلى المسكّ نفسه متطابقة، وهي بذلك تلغي عملية القياس من المعاملات اليومية. كانت المسكوكات تقدّمًا ضخمًا في قياسية المال، لا سيما إذا قورنت بقطع الذهب التي ليس لها وزن محدد، أو حلي الذهب التي لا تُعرَف نقاوتها. أدّى توحيد المسكوكات وشرويّتها إلى تقويمات حسابية تامّة، أتاحت للمجتمعات أن تقيس كل شيء بوحدة واحدة.

ينبغي للمال أيضًا أن يكون قابلًا للقسمة: فعلى سبيل المثال، استُعملت المواشي عُملةً آلافًا من السنين، ولكن المواشي لا تقبل القسمة فلا تنفع في المعاملات الصغيرة. كانت المسكوكات ممتازةً في هذا الشأن: إذ مثّلت كل مسكوكة مقدارًا صغيرًا من القيمة ليمكن استخدامها في أصغر المعاملات، مع إمكانية جمعها في مسكوكات أكبر.

أخيرًا، أفضل المسكوكات هي التي يصعب تزييفها. إن من شأن التزييف أن يلحق بقيمة العملة ضررًا كبيرًا، لذا وجب على المسكّات صناعة عملات عليها نقوش صعبة المماثَلة. إذا اعتُقد أن المسكوكات في السوق أصيلة، ورأى الناس أن الزيوف نادرة، أتاح هذا لهم أن يتعاملوا من دون الحاجة إلى التدقيق في كل عملة والبحث عن أصالتها.

تأثير الحكومات على النقد

ازدهر الطلب العالمي على المسكوكات بسبب تقدمها الاقتصادي، وأصبحت الحكومات أكبر مقدّم لها. لم يستطع الحكّام إلا أن يخلّدوا أنفسهم بصكّ عملات منقوشةٍ عليها أسماؤهم ووجوههم، لتصبح مالًا في حدود حكمهم. لكن هذا لم يكن صادرًا عن ترف الحكّام وحده. أتاحت المسكّات للحكومات أن تستعمل المال لتجلب مصالحها، وهو ما جرّ أثرًا اجتماعيًّا طويلًا وأقام إمبراطوريات وأسقط أخرى.

في الإمبراطورية الرومانية مثال كامل عن كيف أدّت المسكوكات إلى سلطة الحكومات على العملة. في القرن الأول الميلادي، بعد تأسيس الإمبراطورية الرومانية، كانت الحكومة في روما تسكّ مسكوكة تُسمّى الدينار، استُعملت بفضل توسّع الإمبراطورية في أوروبا وآسيا وإفريقيا. كانت هذه أول مرة تتطور فيها المعايير النقدية العالمية اعتمادًا على مسكوكات معدنية تسكّها جهة مفردة. جاء نفوذ عملة التقويم في الإمبراطورية الرومانية نتيجة لسلطتها الإمبراطورية، التي كان لها أصداء في أرجاء العالم. ظهرت مسكوكات تسمّى باسم الدينار من الهند إلى مصر إلى إسبانيا حتى بعد قرون من ذلك. [2]

في القرن الثاني تحت حكم ماركوس أوريليوس، كان الدينار يزن 3.4 غرامات، وكانت أربعة أخماسه من الفضّة، وهو انخفاض من نقاوة 98% كانت عندما أعلن أغسطس قيصر نفسه أول إمبراطور في روما قبل ثلاثة قرون. عبر العصور، انقطع وجود العملات بسبب أمر واحد: لم تستطع الحكومات مقاومة إغراء إنتاج مال مجاني لنفسها. لم يكن بخس العملة الرومانية استثناءً من ذلك. عندما خفّضت الإمبراطورية الرومانية المحتوى المعدني النفيس في الدينار وحافظت على اسمه وقيمته، أنشأت مالًا لنفسها، وأصبح لكل دينار سابق نقاوة أعلى من كل دينار لاحق. ترخيص المال هذا على يد الحكومة يقلّل الثقة بالعملة ويؤدّي إلى اضطراب الأسعار والضعف المجتمعي. لم تأت نهاية القرن الثالث إلا والدينار مخفَّض حتى لم تبق فيه من النقاوة إلا 5% من الفضّة، وهو ما زامن أزمة القرن الثالث، الفترة التي اغتيل فيها عدّة أباطرة وأوشكت الإمبراطورية على الانهيار. إن بخس العملة اتّجاه لم يزل موجودًا في العالم منذ القدم، لذلك يبرُز ما حدث في فلورنسا في القرن الثالث عشر.

الفلورين

بعد أن تحررت مدن الشمال الإيطالي فلورنسا والبندقية وجنوا وبيسا من السادة الإقطاعيين، صارت مدنًا جمهوريّة في القرن الحادي عشر، وتبع استقلال كل مدينة صكّ لعملةٍ خاصّة بها. في عام 1252، ضرَب مسك فلورنسا فلورين الذهب، ولم يكن في هذا الأمر شيء جديد. لم تكن إلا مسكوكة جديدة. ولكن، مع مرور عقود وقرون من دون تغير وزن المسكوكة ولا نقاوتها، أصبح للفلورين سمعة جعلت كل المحيطين بفلورنسا يستعملونه للتقويم. تاريخيًّا، كانت مسكوكات المعدنين النفيسين متينة وقابلة للقسمة والنقل، ولكن الحكومات كانت تخفّض نقاوة مسكوكاتها، فلم تكتسب أي مسكوكة مصداقيّة عابرة للأجيال. غيّر مسكّ فلورنسا هذا الواقع. حافظ الفلورين على وزنه ونقاوته من دون تغيير، نحو 3.5 غرامات من الذهب الخالص، وامتدّ ذلك 4 قرون طويلة. لمّا بلغ الفلورين سنته المئة، أصبح النظامَ النقدي العالمي في التجارة الأوروبية كلها. أصبحت الأجور العالية والحليّ والعقارات واستثمارات رؤوس الأموال كلّها تقدَّر بالفلورين.[3] كما شاع الفلورين بين العمّال لأنه كان طريقة لحمل مدّخرات العمر كلها في جيب. أثبت الفلورين أنه ضمان قوي للديون، وأنه سهلٌ أن يُرهَن لاستدانة مسكوكات فضية للمعاملات الأصغر. انتشر الفلورين في أنجاء أوروبا وفي العالم كلّه وأصبح أوثق وأثبت التقويمات النقدية. لم يكن الاستقرار الاستثنائي للفلورين وحده هو الدافع وراء الابتكار النقدي في عصر النهضة، ولكن شيوعه على مدى القرون الطوال تزامن مع تقدّمات كبيرة في الرياضيات والمحاسبة والمصرفية، وهو ما أدّى إلى تحوّل مذهل في تعامل الإنسان مع النقد. قبل تفصيل هذه التقدّمات، علينا أوّلًا أن نفهم العيوب التي حلّتها في النقد المسكوك.

تعدد المسكوكات

السكّ وحده لا يقوم بنظام نقدي كامل. أبرزَ النقد المسكوك مشكلتين عظيمتين أمام الاقتصاد العالمي، الذي كان آنذاك متألّفًا من مدن أوروبا وشمالي إفريقيا والشرق الأوسط، وكان يصل بين هذه الأجزاء البحر الأبيض المتوسط. كانت العملات المختلفة كثيرة، وأعاق هذا التعدد سرعة النقد إعاقة شديدة.

سرعة النقد هي سرعة تغيّر اليد المالكة له. هي سرعة انتقال النقد من مالكٍ إلى مالك، ولا بد من سرعة كافية ليستطيع البشر أن يتاجروا أكمَل تجارة فيما بينهم. سرّعت مسكوكات الذهب والفضّة سرعة النقد مقارنة بالعصور الغابرة التي كانت فيها وسائط النقل هي السبائك والكتل ذات الأوزان غير الموحّدة. ولكن عالمًا تتعدد فيه المسكوكات ويبلغ عددها الآلاف يقتضي تحويلًا مكافئًا لما كان يحدث في الزمن القديم عند كل تجارة بين طرفين من بلدين مختلفين. كان هذا تحدّيًا كبيرًا أمام فتح المستويات التالية من سرعة النقد والتجارة العالمية، لأن أنظمة الأوزان والنقاوات اختلفت اختلافًا واسعًا عبر العالم.

اختصّ الصرّافون في هذا التحويل المطلوب وصاروا جزءًا لا بد منه في كل تجارة. كان شغل الصرّافين هو التنقّل بين مئات المسكوكات أو آلافها لتسهيل جميع أنواع التجارة العالمية. إن اختلاف العملات في أرجاء العالم أتاح للصرّافين أن يستفيدوا كلّما أراد تاجر أو مستهلك أن يحوّل ماله من عملة إلى عملة. لم تزل هذه المهنة قائمةً اليوم في أسواق النقد الأجنبي، إذ يعمل بها الذين يحوّلون البيزو المكسيكي إلى الريال البرازيلي مثلًا.

وإلى جانب هذه المشكلة كانت مشكلة المعدنين، إذ كان المعدنان النفيسان -وهما معدنان مستقلّان- مستعمَلَين نقدًا. الفضّة أوفَر في قشرة الأرض من الذهب، وكانت تاريخيًّا نقد الناس العاديين في معاملاتهم اليومية. أما الذهب، فهو معدن نفيس، ونوع من الثروة له عند الناس طلب أكبر ورغبة أعمّ، ولكنه لم يكن صالحًا للمتاجرة اليومية: كان الفلورين الواحد يساوي أكثر من أجر أسبوع للعامل المتوسّط.[4] عقّد الانقسام بين الذهب والفضّة تشكيل نظام نقدي موحّد إلى نهاية القرن التاسع عشر.

مخاطر النقل المادّي

أما التحدّي الكبير الثاني أمام نظام النقد المسكوك فكان الخطر في النقل المادّي للمسكوكات. كان إرسال المال في الأراضي والبحار أمرًا خطرًا وكابوسًا لوجستيًّا في العصور الوسطى. كان تحطّم السفن هو الضرر المتوقّع عند محاولة سدّ الديون الأجنبية. إنّ ممّا دفع الناس إلى تثمين المعدنين النفيسين مناعتهما على الحطام، لذا لا غرابة اليوم في وجود صناعة صيد حطام السفن لإيجاد هذه المسكوكات الذهبية والفضية التي ضاعت في ذلك الزمن.

كان حلّ هذه المشكلة فكرة التسوية المؤجّلة. بدلًا من النقل المادّي للمعدن، تكون التسوية المؤجّلة عندما يعد طرفٌ الطرف الآخر بالتسديد في وقت لاحق، على أن يكون الوعد جليًّا. عند مجيء هذا الوقت اللاحق، تحدث التسوية النهائية، ويتسلّم الطرف الدائن الدفعة الأخيرة، التي كانت تاريخيًّا من الذهب والفضّة. هذه الوعود أو الائتمانات كانت وسيلة يستعملها التجّار لتقليل خطر نقل المسكوكات مسافاتٍ طويلة. ظلّت ترتيبات التسوية المؤجلة زمنًا طويلًا قبل القرن الثالث عشر ولكنها كانت خالية من الصفات النظامية. لم تكن هذه الوعود واحدة الشكل، ولم يكن عند الناس نظام ائتمان رسمي. كان الفلورين المستقر كتلة بناءٍ عظيمة، ولكن بناء نظام نقدي يعتمد على أشياء أخرى غير نقاوة المسكوكات وثباتها. لا بد من ثقافة وعود وسندات.

الفصل الثاني

نشأة طبقات النقد

في كل زمان ومكان، كانت الأنظمة النقدية دائمًا هرَميّة.  —بيري مهرلنغ، أستاذ الاقتصاد في جامعة بوسطن

في عام 1202، نشر تاجر رحّالة اسمه ليوناردو دا بيزا، عُرف باسم فيبوناتشي، كتابًا سمّاه كتاب الحساب (ليبر أباسي). أغنى هذا الكتاب مجال الرياضيات في أوروبا. ترعرع فيبوناتشي في أسواق الجزائر حيث تعلّم الاكتشافات الرياضية القديمة، ثم نشر كتابًا جاء بنظام العدّ الهندي العربي إلى أوروبا، ليضع أساس انقراض نظام العد الروماني المحدود. فصّل فيبوناتشي التقدّم الحسابي الذي لم يكن الأوروبيين يعرفونه في ذلك الوقت، وكذلك تقنيات المحاسبة التي كان يستعملها تجّار الهند والدارسون في جامعات الأندلس.[5] تقنيات المحاسبة هذه هي أصل ما نسمّيه اليوم المحاسبة بالقيد المزدوج، ونظام الأصول والمسؤوليات والحصص والأرباح الشائع اليوم. كان أثر كتاب الحساب واضحًا مباشرةً في إيطاليا لأن أفكار فيبوناتشي أنتجت نوعًا جديدًا من التجّار، نوعًا لا يأتي بقوته من سلعة أو خدمة، بل من ورقة ميزانية: المصرفيّ.

قبل كتاب فيبوناتشي عن الاكتشافات الرياضية، كان بين أيدي الناس أداة نقديّة تسمّى ورقة المتاجرة. كانت الأوراق طريقة لإرسال المال من مكان إلى آخر وتحويلها في الوقت نفسه إلى العملة التي يفضّلها المتسلّم. هذه الأوراق هي رسائل يكتبها المصرفيون، وهي وعد بالدفع. لم تكن قيمة الأوراق تُدفَع مباشرة لذلك كانت نوعًا من الإقراض، وكانت توسيعًا للدين على يد مُصدر الورقة، وهو ما جعل أوراق المتاجرة أداة الائتمان الأوسع استعمالًا في العالم. صعُب على المؤرّخين تحديد مصدر هذه الأوراق، ولكنهم يعلمون أنه وُجد في العالم العربيّ قرونًا قبل أن يصل إلى أوروبا. في القرن الثاني عشر، أصبحت الأوراق هي العملة السائدة في شمالي إيطاليا. في القرن الرابع عشر، كان مصدرو أوراق المتاجرة يقوّمون على الأقل طرفًا واحدًا من كل معاملة ورقيّة بالفلورين الذهبي. بوجود الفلورين في كل المعاملات القارّيّة الكبرى، بدأ نظام نقدي يتشكّل حول هذا التقويم. وحتى مع وجود مئات المسكوكات في أرجاء أوروبا، كان الجميع يقوّم بالفلورين. كان الفلورين تقويم الميزانية المفضّل في أرجاء العالم، وكان أوّل عملة احتياطي عالمية. بين الفلورين وأوراق المتاجرة، ومع ابتكارات فيبوناتشي المؤسسة، نشأ نظام نقدي من طبقتين.

في القرن الخامس عشر، بدأ النظام النقدي العالمي يتحرر من قيوده المعدنية (النفيسة). سرّع الرياضي لوكا باسيولي هذه العملية. درّس باسيولي ليوناردو دا فنشي الرياضيّات وألّف كتابًا معه اسمه «النسب الإلهية» عن الرياضيات الهندسية، ولكن هذا لم يكن سبب شهرة باسيولي. قبل النسب الإلهية، نشر باسيولي ملخّص الحساب والهندسة والنسبة والتناسب عام 1494، وهو ما منح باسيولي لقبه «أبو الحساب والتسجيل». كانت المحاسبة في الحقيقة جزءًا من تلخيصه المتقن للحساب والجبر والهندسة والتجارة وأوراق المتاجرة، ولكنه كان أساس الميزانيات الحديثة. فصّل باسيولي في كتابه ما سُمّي بعد ذلك «الطريقة البندقية» من المحاسبة مزدوجة القيد، وهو نظام لم يزل مستعملًا في كل مشروع تجاري كبير حول العالم اليوم. كمَنت أسرار صناعة المصرفيّين للمال من أوراق الميزانية لا من سك المسكوكات، في نظام المحاسبة مزدوجة القيد. منذ ملخّص باسيولي، أصبح عالمنا المالي يُرى بعدسة الميزانيات، ولكن هذا الكتاب يريد إعادة تصويره على هيئة طبقات.

هرميّة النقد

فلنبدأ تعريفَ طبقات النقد تعريفًا رسميًّا. خلّ مثال مسكوكة الذهب وشهادة الذهب من المقدّمة على ذُكر منك، ولننظر في مثال آخر من فلورنسا أيام عصر النهضة وسلالة ميديتشي المصرفية. سنبدأ هذه الطريقة الطبقية بالتدبّر في الفرق بين مسكوكة ذهب، وورقة كُتب عليها، «تدفع أسرة ميديتشي المصرفية مسكوكة ذهبية واحدة لحامل هذه الورقة عند الطلب». مسكوكة الذهب هي نقد الطبقة الأولى وطريقة التسوية النهائية. الورقة موجودة بفضل الذهب الذي تمثّله فقط، وهي نقد طبقة ثانية، مطبوعة لتكون مسؤولية في ميزانية طرف آخر. كل نقود الطبقة الثانية وعود لدفع نقود طبقة أولى. كل نقود الطبقة الثانية فيها خطر تخلّف الطرف الآخر، وهو الخطر الذي يأتي من حمل وعد طرف آخر. خطر التخلف مفهوم أساسي في علم النقد، لا سيما وأن كل أنواع المال في نظامنا المالي الحالي فيها شيء منه. لا بد من الثقة بالأطراف الأخرى ليعمل نظامنا المالي، أو سنضطر جميعًا إلى استعمال مسكوكات الذهب والفضة في كل معاملة. نشأت طبقات النقد لأن الناس وثقوا في أنواع من النثد فيها خطر تخلّف من مُصدرها. وهي كذلك طريقة لإظهار علاقة الأدوات النقدية فيما بينها بناءً على العلاقة بين الميزانيات والمؤسسات المالية. انظر في الشكلين 3 و4، اللذين يعكسان مثال المقدمة عن النقد الطبقي.

الشكل 3

الشكل 4

أصبحت الطبقات طريقة للتفكير في الهرمية الطبيعية للنقد التي تترتّب فيها الأدوات النقدية حسب الأفضلية من الأعلى إلى الأدنى، ولا توضع جنبًا إلى جنب على طاولات المحاسبة.[6] تمثّل كل طبقة جانبًا في ميزانية أحد، لذا يجب أن نحدد الفاعلين الموجودين بين طبقات المال. في الشكل 4، كانت أسرة ميديتشي هي الفاعل بين الطبقة الأولى والطبقة الثانية. تصدر هذه الأسرة نقدًا من الطبقة الثانية—أوراق المتاجرة، وهي وعود بدفع نقد من الطبقة الأولى—أي بدفع مسكوكات ذهب وفضة. الكلمة الرئيسة هنا: وعود، أي فيها خطر تخلّف.

كان في الأوراق خطر تخلّف من طرف المُصدر لأنها كانت نوعًا من التسوية المؤجّلة. خطر التخلف هو خطر عدم قدرة أو إرادة الفاعل الوسيط بين طبقتي المال أن يفي بوعده بالدفع. يستطيع أي مصدِر ورقة أن يتخلف، ويترك مالك نقد الطبقة الثانية بورقة لا قيمة لها. رغم وجود هذا الخطر، كانت الأوراق وسيلة للمتاجرة النقدية ومحفّزًا لسرعة المال. زادت الأوراق كذلك مرونة المال، فالمسكوكات لا يمكن ضربها من لا شيء، أما الأوراق فيمكن. الأربطة المطاطية مرنة: يمكن أن تتمطط عند شدّها. النقد أيضًا قد يكون مرنًا، إذ يمكن توسيعه عندما لا يكون مغطًّى تغطية كاملة بمسكوكات الذهب. فاقت المرونة خوف التخلف عند التجار والمصرفيين، وأصبحت الأوراق الوسيلة النقدية المفضّلة على المسكوكات. يظهر لنا الذين يقبلون الأوراق وأنواع التسوية المؤجلة الأخرى أن النقد في طبيعته هرمي. إذا طلب تاجر الدفع بالذهب مباشرة عند توصيل بضاعته، فهو حقه. ولكن إذا قبل تاجر آخر ورقة هي وعد بدفع الذهب لاحقًا، فإرادته لتأجيل التسوية دليل في نفسها على أن طبقات المال ليست من عمل المصرفيين بل هي ملازمة للرغبة الإنسانية بالمراقبة. بدأنا نرى نظامًا تعمل فيه طبقات النقد المختلفة باستطاعات مختلفة. ظهر نقد الطبقة الأولى وسيلةً أفضل لحفظ القيمة على المدى الطويل، وظهر نقد الطبقة الثانية وسيلةً أفضل للتعامل لأنه كان أمرَن من المسكوكات.

الوازع

أهم صفات الطبقة الأولى للنقد هي الوَازع الذي تفرضه على الطبقات الأخرى. هنا مثال. لم يكن صاغة الذهب في إنكلترا في القرن الخامس عشر مجرّد حرفيين. بل كانوا أيضًا بمنزلة المصرفيين لقدرتهم على حفظ المعادن الثمينة حفظًا أفضل من غيرهم. فلنقل إن صائغًا إنكليزيًّا أصدر قطعة من الورق عند إيداع كل مسكوكة ذهب عنده. إذا أراد كل أصحاب الودائع مسكوكاتهم، سيستطيع تقديمها لهم لأن الودائع مغطّاة بالكامل، أي إن بين ورقة الوديعة ومسكوكة الذهب علاقة واحد إلى واحد.

فلنستغلّ هذه الفرصة لنقدّم كلمة كاش (نقد عين). الأدوات النقدية كودائع الذهب التي يصدرها صاغة ثقات ومحترمون تعمل عمل النقد العين. النقد العين هو نوع من النقد يقبله الآخرون مباشرة، حتى إذا لم يكن إلا قطعة ورق تحمل خطر تخلّف ولا ضمان فيها للتسوية النهائية. لا بد في هذه الحالة أن يثق الناس بمُصدر النقد العين، أو الذي وعد بالدفع.

فلنعد إلى الصائغ. لنقل إن الودائع التي يصدرها اكتسبت سمعة حسنة وشاعت بين الناس نقدًا عينًا لأن الناس يثقون بإمكان استبدال مسكوكة ذهب بها. طَمِع الصائغ، وقرر أن يتربّح من أمانته الشائعة. أصدر الصائغ ودائع لنفسه من دون أن يودِع فعليًّا في خزانته أي مسكوكة ذهب، واستهلك هذه الودائع في السوق. إذا واجه الصائغ طلبًا للدفع الكامل (من كل أصحاب الودائع)، أعلن تخلّفه. هذا العمل اسمه مصرفية الاحتياطي الجزئي، خلافًا لـمصرفية الاحتياطي الكامل، التي يكون فيها أمام كل ورقة وديعة ما يقابلها من الذهب في الخزانة. الذهب هو وازع الصائغ، الذي يثبّطه عن استغلال قدرته على إنتاج المال، الآتية أصلًا من ثقة الناس بودائعه. نقد الطبقة الثانية إذن دائمًا هشّ، لأن القدرة على إنتاجه معرّضة دائمًا للاستغلال الإنساني، كما في مثالنا عن الصائغ الإنكليزي الذي استغل ثقة الناس بأمانته.

هرميّة المال ديناميكية، بمعنى أنها مجموعة من العلاقات التي فيها تدافع مستمر. عندما يتوسّع الائتمان، يتوسّع هرم المال بسبب نمو الطبقة الثانية. عندما تزداد الثقة، تنمحي الفروق بين مسكوكة الذهب ووديعة الذهب. يقبل الناس شهادات الذهب نقدًا لأنهم يثقون بقدرة المُصدِر على تلبية الدفع. تؤدي الشهادات إلى سهولة التعامل، لأن التسوية النهائية بالمسكوكات والسبائك قد تكون صعبة ومرهقة وربما خطيرة. ينعكس هذا عندما يتقلّص هرم المال ويظهر فجأة الفرق بين النقد وأشباه النقد. تنقطع الرغبة بالأدوات التي كانت ذات موثوقية كبيرة، ويرميها أصحابها ليحصلوا على أدوات هي أعلى في هرم النقد، كمسكوكات الذهب. قد تؤدي هذه التقلصات إلى كثرة طلبات الدفع (سحب الودائع)، التي تسمّى زَحَمات المصارف، وهو ما يؤدي إلى أزمات مالية. يمكن أن يُنظَر إلى هذه الأزمات على أنها محاولات لتسلّق هرم المال، إذ يسعى ممسكو النقد ذي الطبقة الأدنى إلى الحصول على نوع أعلى وأرقى من النقد.

مشكلة التخليص

مع تطوّر طبقات النقد لحلّ مشكلات النقد المسكوك، نشأت مشكلات أخرى. كانت أنواع نقد الطبقة الثانية مختلفًا بعضها عن بعض. ولكن ما حدث في القرن السادس عشر في أنتويرب غيّر هذا إلى الأبد: نشأ سوق مخصص لمتاجرة نقود الطبقة الثانية. زاد النقد الطبقي سرعته بتحسين أمان كل عمليات نقله: خسارة المال مستحيلة إذا كان نقله جاريًا في شبكة مصارف. وبصرف النظر عن الاحتيال والعجز الذي جرى أحيانًا، كان تقليص نقل المسكوكات انتصارًا ضخمًا للتجارة العالمية. أرسل التجار المصرفيون المال إلى أرجاء القارة بلا تعب باستعمال الميزانيات والشبكات المهنية، بدلًا من استعمال مسكوكات الذهب والفضّة المادية. لم يكن خطر إرسال معدن مادي في هذه الفترة خطرًا صغيرًا مطلقًا. ازدهرت الخصوصية، ونشأت أجهزة التأمين البحرية في تلك الفترة. زاد استعمال التسوية المؤجّلة سرعة المال، إذ أمكن تأجيل التسوية النهائية إلى آجال غير مسمّاة بمجرد موازنة الديون والائتمانات.

أدّى ازدياد مسؤوليات المصارف ونقد الطبقة الثانية إلى مشكلة التخليص، وهي عملية تسوية المتاجرات. لم يكن في ذلك الوقت نظام تخليص لأوراق المتاجرة. ولم تكن الأوراق معدودةً عينًا بسبب فقدانها لنظام موحد. نعم كانت الأوراق وعودًا بدفع الذهب والفضّة، ولكنها لم تكن شرويّة فيما بينها.  جعل تخصيص العملات وتواريخ الاستحقاق في كل ورقة أوراق المتاجرة شيئًا لا يشبه النقد العين، إذ لم تكن أي ورقتين متشابهتين. لم يرد الناس تبادل رسائل الوعود فيما بينهم لأن شروط هذه الرسائل لم تكن متطابقة. عندها، لم تكن قد نشأت ثقافة الثقة بالطرف الآخر.

ببطءٍ لكن بثبات، بدأت تواريخ الاستحقاق في أوراق المتاجرة تتوحّد في القرن الخامس عشر. اختيرت التواريخ المتفقة مع أيّام معارض التجارة الأوروبية، لأن المصرفيين كانوا يتبعون التجار ليقدموا لهم خدمات مالية. كانت هذه المعارض تجري في جميع أنحاء أوروبا، من فرنسا إلى بلجيكا. وكان يجتمع فيها كلَّ موسم تجار الحرير والفلفل والتوابل، والمسكوكات والأوراق، ليتاجروا. كانت هذه المعارض أفضل فرصة للمصرفيين من كل أنحاء أوروبا ليجتمعوا ويخلّصوا ديونهم وائتماناتهم. لكن أنماط المعارض الموسمية، حدّت تخليص أوراق المتاجرة إلى أربع جلسات كل عام فقط. اقتضى هذا أن نقد الطبقة الثانية لا يُتاجر إلا أربعة مرات في العام، وهو معدل بطيء موضوعيًّا.

في النهاية، كانت طبقة النقد الثانية ناقصة السيولة، أي لم يمكن تبديلها بنقدٍ بسهولة. في تلك الفترة، كانت المسكوكات هي النقد العين، أي أن النقد الوحيد المعدود عينًا هو مسكوكات المعدنين النفيسين فقط. لم تكن أوراق المتاجرة قابلةً للتحويل إلى هذه المسكوكات إلا إذا قُدّمت إلى مكتتبيها في يوم استحقاقها. لم يكن هناك سوق لتبديل النقود بأسعار يحددها الباعة والمشترون مباشرة. تغيّر هذا عندما نشأ سوق لنقد الطبقة الثانية يتعامل على مدار السنة في أنتويرب.

معرض مستمر

ثوّر تأسيس بورصة أنتويرب عام 1531 المال لأنه كان ميلاد سوق المال. في ذلك الوقت، كان سوق المال يعني سوقًا للوسائل النقدية من الطبقة الثانية، مثل أوراق المتاجرة وودائع الذهب، والوعود الأخرى بدفع المعادن الثمينة. كلمة بورصة مشتقّة من اسم مدينة بروغ القريبة، التي كانت من قبل مجمع التجارة الأوروبية الشمالية قبل أن تخسر مكانتها عندما قرر تجار القماش الإنكليز أن يجعلوا مركز تجارتهم في أنتويرب عام 1421. كانت بورصة بروغ ملتقًى هادئًا للتخليص المالي، أما بورصة أنتويرب فكانت ملتقًى للتجار الصاخبين وأصبحت أول سوق مالية حديثة في العالم. أصبحت كلمة بورصة مرادفة لكلمة سوق المال مع الوقت حول العالم، من ذلك أن سوق الأسهم في الفرنسية والألمانية اسمه بورصة.

أسواق المال، مثل سوق بورصة أنتويرب الأصلي، هي متاجر يحدث فيها اكتشاف السعر. اكتشاف السعر -كما يبيّن اسمه- هو عملية اكتشاف سعر الأصل ببيعه وشرائه في سوق. يظهر سعر الأصل، أو يُكتَشَف، بمراقبة المتاجرات بين الباعة والمشترين. إذا كانت التجارة حرة، أمكَن اكتشاف سعر أي شيء. افتخرت أنتويرب ببيئتها الخالية من التشريعات، حيث لم يحتج المتاجرون بين مسكوكات الطبقة الأولى وأوراق الطبقة الثانية، أو بين أوراق الطبقة الثانية المختلفة، استصدار ترخيص للعمل، ولم يكن مفروضًا على تجارتهم أي ضريبة. فكانت أنتويرب بذلك ملجأ للتجار من جميع أنحاء أوروبا وكانت مركز الاقتصاد العالمي في القرن السادس عشر. أتى التجار إلى هذا المركز العالمي من البرتغال وإسبانيا وإنكلترا وألمانيا. في معرضي الربيع والخريف في أنتويرب، بيع القماش الإنكليزي، والبهار الهندي الشرقي الذي يأتي به البرتغاليون، والفضّة الأمريكية التي يأتي بها الإسبان، وجرت تجارات ألمانية وإيطالية وفرنسية أخرى. جذبت هذه التجارة كلها التجار المصرفيين وأقامت حفلة لإصدار نقود الطبقة الثانية. عندما افتُتحت بورصة أنتويرب، سُمّيت بـ«ـالمعرض المستمرّ»، وهو تصوير لتطور التسوية المالية من الفصلية الموسمية إلى الآنية.

في أبهاء بورصة أنتويرب وُلدت سوق المال، السوق التي غيّرت فهمنا للعين من المعدن إلى الورق. حقق المصرفيون هذا بصياغة وتوحيد ابتكارين كبيرين في تطور طبقات النقد: الحسم وإصدار السندات. لم يكن المصرفيون يتراكضون في البورصة الجديدة حاملين مئات العملات المسكوكة دائمًا. كانت المسكوكات عائقًا أمام سرعة المال، لم يمكن إصلاح هذا العائق ممكنًا إلا بمزيج من التسوية المؤجلة، والمحاسبة، وأوراق المتاجرة. كان معظم التجارة في بورصة أنتويرب أول الأمر يجري بين أوراق المتاجرة. منح تجار سوق المال السيولة لأوراق المتاجرة، وهو شيء لم يكن معروفًا من قبل. زاد هذا سرعة المال زيادة جمّة. قبل فتح البورصة، كانت نقود الطبقة الثانية تُصدَر في زيادات رُبعيّة، وكانت مصممة لوَصْل الديون إلى المعرض التالي. ولكن في أنتويرب، اكتسبت نقود الطبقة الثانية صفات شبيهة بالعين (الكاش).

القيمة الوقتية للنقد

رأى التجار المصرفيون في أنتويرب سريعًا أن استخدام طبقات النقد، لا سيما الاستخدام الإبداعي لها، يحسّن النقد من حيث هو تقنية للتقدم الإنساني. فماذا كان سرّهم؟ تكمن الإجابة في واحد من المفاهيم المؤسسة في عالم الأموال الحديث: الحسم. فلننظر في مثال بسيط عن الحسم لنرى قيمة الوقت في المال وماذا أضاف المصرفيون في أنتويرب إلى نظامنا النقدي.

تشتري اليوم ورقةً من المصرفي بثمن 98 دولارًا، تستطيع تبديلها بقيمة 100 دولار بعد شهر. هذا لأن الدولارين المزيدين المكتسبين في الشهر هما قيمة الوقت الذي تنتظره. يُسمّى هذا الأمر قيمة الوقت في النقد لأن الوقت الذي تنتظره له قيمة: أنت مأجور على انتظارك. قبل طلوع فجر المال في أنتويرب في القرن السادس عشر، كان عليك أن تنتظر شهرًا، ثم تُبرِز ورقتك لتجمع مالَك عينًا. في فترة الانتظار هذه، ليس معك إلا ورقة عليها مبلغ مكتوب وتاريخ استحقاق. هذه الورقة وإن كان تاريخ استحقاقها منتظرًا في المستقبل، فإن لها قيمة. فإذا احتجتَ إلى سيولة هذه الورقة بعد أسبوعين واضطررت إلى تحويلها إلى نقد عين، أين تذهب؟ لا بد أن تجد مصرفيًّا يشتري منك هذه الورقة قبل استحقاقها. يقسم المصرفي الفرق بين ثمن الشراء ($98) وثمن الاستحقاق ($100) ويدفع لك $99. هذا الفعلُ، شراءُ المصرفي الورقة منك بسعر $99، وهو ثمن «محسوم» من قيمة استحقاق الورقة، هو المسمّى الحسم. تخرُج أنت بنقدك عينًا، وينتظر المصرفي حتى يُستحق الدفع فيقبض $100 في نهاية الشهر. هذا الحسم الذي قام عليه تجار سوق المال في أنتويرب أحيا قيمة الوقت في المال يوميًّا. أصبح للنقد الورقي أخيرًا ثمن يراه العالم. في الحقيقة، حدث اختراع الآلة الطابعة في أنتويرب في هذه الفترة، لا بفضل الأسهم ولا أسواق السندات الحكومية، بل لتفصيل التغيّرات اليومية في أسعار سلع التجار ونقود المصرفيين.[7]

آخر قطعة في أحجية نجاح أنتويرب في إطلاق سوق المال في العالم الحديث، هو اختراع سندات التعهّد أو الإذن. أكملت السندات الإذنية انتقال سوق المال من حالته المختلفة الربعية إلى حالة مستمرة. في البورصة، أصدر المصرفيون نوعًا آخر من الائتمان لتسوية الميزانيات الباقية، نقدًا جديدًا في الطبقة الثانية سُمّي السندات الإذنية أو السندات. هذه السندات هي وعود بالدفع لحاملها، أي إن أي حامل لهذه الورقة مستحق للقبض. هذه الأدوات هي أسلاف ما نسمّيه اليوم النقد الورقي، أي سندات العملة. كانت هذه السندات خارقة في قلّة التخصيص فيها، لأن النسخ السابقة من نقود الطبقة الثانية كانت دائمًا تحمل أسماء المستحقين عليها. أما السندات، كالنقود الورقية اليوم، فكانت خالية من هذا. كانت هذه السندات أوّلًا أداة تسوية ولكنها تطورت فاكتسبت العينيّة في ذاتها وأصبحت وسائل متاجرة كبيرة المنفعة. يظهر الشكل 5 طبقات النقد في أنتويرب في القرن السادس عشر.

الشكل 5

في أنتويرب، نشأت مراجحة ثمن الفائدة. المراجحة هي أن تشتري تفّاحًا في بلدة بدولار، عالمًا أنك تستطيع أن تبيعه في البلدة الأخرى بدولارين. فنّ المراجحة عمل قديم في نفسه، وقد كان الصرّافون في القرون الوسطى الذين يحولون المسكوكات يعملون به. ولكن فرصة المراجحة بنقد الطبقة الثانية لم توجد إلى أن وجدت بورصة أنتويرب. كان التجّار يحسمون ويتاجرون الأوراق والسندات على مدار السنة في البورصة، وهو ما أكسب النقد الورقي سيولة في أي وقت، ونقل النظام النقدي العالمي شيئًا فشيئًا من اعتماده الكبير على المعادن. أصبح نقد الطبقة الثانية نفسه صنفًا من السلع له أسعاره المذكورة في مطالع الصحف المالية العالمية. لم يكن الترجيح بين أدوات الطبقة الثانية قائمًا على أثمانها، بل على ثمن الفائدة الذي يكتسبه حاملها من إمساكها. كانت أثمان الفائدة طريقة مكمّلة للتعبير عن ثمن المال، طريقة أتاحت للتجار استغلال الفروق بين قيم الأوراق. كل ورقة في البورصة لها ثمن فائدة، أي فيها فرصة مراجحة للمصرفيين. في النهاية، نقل هذا التحديث للسيولة مفهوم النقد من المعدن إلى الورق. لم يستطع المعدن النفيس تلبية الخصائص الكثيرة التي يتطلبها النظام النقدي. أما المحاسبة والورق وشبكات المصرفيين، فاستطاعت.

الفصل الثالث

المصرفية المركزية

بعد نشوء طبقة النقد الثانية، أرادت الحكومات أن تتحكم بالمنزلة المحورية بين الطبقتين. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أدخل بنك أمستردام وبنك إنكلترا أنفسهما في هرم النقد، ومنحا حكوماتهما سلطة غير مسبوقة على الشؤون المالية للناس. ولمّا فرضت الحكومات استعمال نقودها الثانويّة، أزالت قدرة الناس وحريتهم في تقويم العملات. أصبحت الحكومات والعملات مرتبطة ارتباطًا كبيرًا اليوم لأن الحكومات احتكرت نقد الطبقة الثانية واستعملت هذا الاحتكار لمصلحتها، بدءًا من بنك أمستردام عام 1609. عند النظر في هذين المصرفين المركزيين اللذين ابتكرا كل ما نعرفه اليوم عن المصرفية المركزية، لا بد من معرفة أن ابتكاراتهما النقدية لم تكن إلا لدعم أجندات حكوماتهما. يمنحنا هذان البنكان أيضًا نظرةً عن معنى إصدار ما يعتبره الناس جميعًا عملتهم الاحتياطية. في هذا الفصل، سنستكشف المصارف المركزية، والعملات الاحتياطية العالمية، ووصول نقد الطبقة الثالثة.

التسويّة الآنيّة

لم يُنشأ بنك أمستردام إلا بفضل أول شركة مساهمة في العالم، شركة الهند الشرقية الهولندية. بدأت قصة هذه الشركة عام 1585 عندما أنهى الهولنديون سريعًا مكانة أنتويرب مركزًا للتجارة العالمية بإغلاق نهر سخيلدة ومنع الوصول إلى البحر. جرى الحصار في منتصف الثورة الهولندية، التي استمرّت 80 عامًا لتحقيق الحرية الهولندية من المملكة الإسبانية. بدافعٍ سياسي، يُنسَب لهذه الثورة أنها ألهمت الانتقال من النظام الملكي إلى أنظمة تمثيلية للحكم في إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. ونتج عن الثورة تأسيس المحافظات الهولندية المتحدة، التي تدعى في العموم الجمهورية الهولندية. تلا تأسيسَ هذه الجمهورية الجديدة مَرْكَزة ماليّة غيّرت وجه المال والعمل إلى الأبد. تركّزت أسواق المال في القرن التالي كلّها في أمستردام.

في مطلع القرن السابع عشر، كان التجّار الهولنديون يرسلون السفن إلى جزيرة جاوا الإندونيسية ليشتروا من أهلها توابل ويبيعوها في أوروبا بربح وافر. جذب هذا الربح روّاد أعمال آخرين، إلى أن نشأت عصبة من التجار العالميين. أدّت المساعي اللاحقة إلى تجارة القرفة والزنجبيل إلى مزيد من الأرباح، ولم يلبث التجّار أن أدركوا أن جهودهم تنمو نموًّا كبيرًا إذا جمعوا قواهم وجذبوا رؤوس المال بوصفهم كيانًا واحدًا. كانت النتيجة تأسيس أول شركة مساهمة عام 1602، شركة الهند الشرقية الهولندية. لقد اعتدنا الشركات المساهمة اليوم، ولكن شركة الهند الشرقية الهولندية كانت أول شركة يدفع فيها المستثمرون رؤوس أموالهم لقاء حصة من ملكية الشركة، متمثّلة بشهادة ورقية. أعطت الحكومة الهولندية شركة الهند الشرقية الهولندية حقًّا لاحتكار التجارة في آسيا، وسلطةً تتيح لها توظيف الجنود وشنّ الحروب في مهمتها لاكتساب الأرباح من التجارة الأجنبية. أتاحت قدرة الشركة على تجميع رؤوس الأموال مضاعفة نجاحها التجاري. كانت الحصص في شركة الهند الشرقية الهولندية أصولًا مطلوبةً طلبًا كبيرًا في السوق. ولمّا زادت قيمة الحصص، أراد المستثمرون السابقون تحقيق أرباحهم ببيع الحصص لمستثمرين جدد مقابل النقد، وهكذا وُلد أول سوق أسهم. تأسست بورصة أمستردام، المسمّاة على اسم سابقتها في أنتويرب، بُعيد ظهور أول علامات السوق لأسهم شركة الهند الشرقية الهولندية. كانت شركة الهند الشرقية الهولندية هي المؤسس للبورصة، لتسهّل تداول حصصها في سوق ثانوية، وبذلك جاءت قدرتها على مراقبة كل النشاط الاقتصادي. أتاح تأسيس البورصة لشركة الهند الشرقية الهولندية أن تراقب تحت سقفها كيف تُتداول حصصها.

أدّت ولادة سوق الأسهم إلى زيادة ضخمة في التعاملات المالية، أدّت إلى الحاجة إلى وسيلة تسوية أرقى من الموجودة من قبل. مع ازدياد الاهتمام العام بشركة الهند الشرقية الهولندية، زادت تجارة الحصص. كل بيعٍ لحصّة في الشركة كان في الوقت نفسه شراءً للنقد، ولكن ما النقد الذي قبله أصحاب الحصص حينئذ؟ كانوا يقبلون النقد العين، ولكن حمل حقيبة ملأى بمسكوكات الذهب والفضّة المختلطة ليس أمرًا يسهّل عمل السوق. كان في سوق أمستردام، وهي مركز التجارة العالمية آنئذ، قِراب ألف نوع من المسكوكات المختلفة، وهو وضع نقدي مرهق لمدينة فيها أول سوق أسهم في العالم. كان لا بد من أداة نقدية لدفع هذه المتاجرات وتسويتها. في عام 1609، تأسس بنك أمستردام، أو ويسلبانك، وكان تطوّرًا طبيعيًّا للمؤسسات المالية الناشئة بعد صعود بورصة أمستردام، أوجبت تجارة حصص شركة الهند الشرقية الهولندية التقدَّم في شأن تسوية النقد. شرّع بنك أمستردام بحملة تسوية مجانية لكل المودِعين فيه، بعملة الغِلدَر، أو الفلورين الهولندي. كان لا بد للجمهورية الهولندية المتأسسة حديثًا من نقدٍ خاصٍّ بها في الطبقة الثانية، ليتحمّل مغامرتها الاستعمارية الناجحة نجاحًا عنيفًا.

كان أول أمر صدر عن بنك أمستردام هو حظر الصرّافين وأوراقهم، وإيجاب إيداع كل مسكوكات الذهب والفضّة في المدينة في البنك. كان الصرّافون هم الذين يتبادلون المال في أمستردام، إلى أن أصبحوا خارجين عن القانون. وكانوا هم المودَعين بمسكوكات الذهب والفضّة والمصدِرين لأوراق المتاجرة بدلًا منها. كان الصرّافون هم الفاعلون المركزيون بين نقد الطبقة الأولى ونقد الطبقة الثانية في أمستردام، فلمّا أراد بنك أمستردام أن يكتسب رأس مال، اضطرّ أن يفعل ذلك بالقانون. أُجبر الصرّافون جميعًا على تسليم معادنهم الثمينة إلى بنك أمستردام ومُنحوا بدلًا منها شهادات إيداع من البنك. سُمح للصرّافين بعد سنين أن يستأنفوا عملهم ولكن لم يُسمَح لهم بحيازة المسكوكات إلا يومًا واحدًا، يجب عليهم بعده أن يودعوها في بنك أمستردام. استطاع بنك أمستردام أن يحتكر إصدار نقد الطبقة الثانية عندما منع الوصول العام إلى نقد الطبقة الأولى.

أصبحت شهادات الإيداع الصادرة من بنك أمستردام النقد المفضَّل في أنحاء أوروبا، لا سيما لمكانة أمستردام مركزًا عالميًّا للتجارة. أطلقت غزوات شركة الهند الشرقية الهولندية في آسيا بحثًا عن السلع، والشيوع اللاحق لحصص الملكية فيها، فيضانًا من رؤوس الأموال إلى المدينة. مكّن هذا الفيضان بنك أمستردام من أول ابتكاراته: القدرة على النقل الفوري للنقد بين المودعين. مهما كان حجم المعاملة كبيرًا أو صغيرًا، أصبح القبض والتقبيض بين المودعين في البنك سهلًا جدًّا. وليزيد البنك من احتمال استعماله، لم يقبض أي عمولة أو رسم على النقل الداخلي. لم يتطلب نقل النقد أي تبادل بالورق أو المسكوكات. فالمناقلات لم تكن إلا تغييرات في سجل محاسبة البنك. اقتضى كل هذا زيادة عدد مستعملي وحدة القياس في هولندا وخارجها، ليصبح تناقل المال سهلًا جدًّا بالمقارنة مع استعمال المسكوكات أو حتى الأوراق. بفضل ابتكار التسويّة الآنيّة في طبقة النقد الثانية، أصبح بنك أمستردام أول مصرف مركزي، لأنه كان بالقانون مركزًا لكل التعاملات النقدية. كانت مهمة التسوية، تسوية المناقلات بين المودعين، هي أساس المصرفية المركزية. كان بنك أمستردام ردًّا تشريعيًّا على تجارة الحصص وطريقة للحكومة لمراقبة كل معاملة تجري بين المودعين. أصبح للحكومة رقابة مالية مطلقة على الاقتصاد لأنها أصبحت مركز مرور جميع المعاملات، واكتسبت بذلك خاصّيّة في العلاقات المالية بين عملاء المصرف.[8]

نما استعمال القياس الأمستردامي في أوروبا وارتفعت مكانة أمستردام لتصبح محور رأس المال في القارة. أصبح الغلدر عملة الاحتياطي العالمية في القرن السابع عشر لأن التجار والشركات من كل أنحاء أوروبا كانوا يملكونه بسبب ثقتهم المطلقة بمُصدِره. استمرّت مكانته هذه عملةً احتياطية عالمية إلى القرن الثامن عشر.

إقراض أصحاب المزيّة والواسطة

لم تكن أجندة بنك أمستردام مجرّد التقدم اللطيف في التسوية المالية. إن النظر الدقيق يظهر أن شركة الهند الشرقية الهولندية نصبت نفسها على رأس هرم النقد لتمتص السلطة والموارد. بُعيد تأسيس البنك، أصبح يُقرض شركة الهند الشرقية الهولندية ويصنّف القروض أصولًا في ورقة الموازنة، وهو أمر معروف في محاسبة القيد المزدوج. كان بنك أمستردام ينسب ودائع لشركة الهند الشرقية الهولندية، فينشئ مالًا ويمنحه لمقترض من أصحاب الواسطة. هذه القروض كانت تكتب تمامًا إلى جانب إيداعات مسكوكات الذهب والفضّة في طبقة النقد الأولى. أي إن أحقية شركة الهند الشرقية الهولندية بالائتمان كانت مساوية للمعدن النفيس ذاته. كان النقد المنشأ في الطبقة الثانية جزئيّ الاحتياط لأن الأصل الذي يغطّيه في الطبقة الأولى هو قرض لشركة الهند الشرقية الهولندية، لا معدن نفيس مودَع في البنك. في الشكل 6، ننظر إلى هرم النقد تحت تأثير بنك أمستردام، ونمثّل إقراضات شركة الهند الشرقية الهولندية في الطبقة الأولى من النقد. كانت هذه اللحظة لحظة محورية في تطوّر طبقات النقد، لأنها كانت أول مرة في التاريخ يُشرَك فيها شيءٌ بالمعدنين النفيسين في رأس هرم النقد.

الشكل 6

باحتكار الطبقة الثانية، أنهى بنك أمستردام إمكانية سحب المعادن النفيسة ولكنه استطاع مع ذلك الحفاظ على ثقة الناس في نقده (شهادات الإيداع فيه). إن أهمية هذه الحدث كبيرة جدًّا، وكل ما قيل فيها قليل. إن منع التحويل إلى نقد الطبقة الأولى يعني أن بنك أمستردام لم يعد بالضرورة مضطرًّا إلى إدارة نظام مالي ونقدي. أصبح البنك معتمدًا على وازعه الذاتي ليبقى ممتلكًا لما يكفي من الاحتياطي، ومعتمدًا قبل ذلك على ثقة الناس في هذا الوازع. وثق أهل أوروبا بأن احتياطي بنك أمستردام صالح، وأنه لا يصدر شهادات إيداع زائدة عمّا يملكه من المعدن الثمين، وكانت هذه الثقة هي أصل الطلب على شهادات الإيداع في بنك أمستردام، وأصل استخدامها نقدًا.

استطاع بنك أمستردام إنهاء قابلية التحويل بابتكار سمة أخرى من سمات المصرفية المركزية الحديثة، هي عمليات السوق المفتوحة، وهي أنشطة في السوق يجريها البنك ليضمن سيولة السوق واستمرار الطلب على ودائعه. بالحفاظ على سلامة السوق بين ودائع البنك وأنواع النقد القيّمة الأخرى، استطاع بنك أمستردام دعم قيمة مسؤولياته من دون الحاجة إلى التخلّي عما يملكه من معادن نفيسة. هذا المزيج القوي الذي لا سابق له، الذي جمع التسويّة الآنيّة والإقراض بالواسطة ومنع التحويل، جرّ جرائر ضخمة على مستقبل المال وأثّر تأثيرًا مباشرًا في جعل بنك إنكلترا، خليفة بنك أمستردام، مُصدرًا لعملة الاحتياطي العالمية التالية.

بنك إنكلترا

سبقت ثورةٌ أخرى على نظام ملكي غير محبوب تأسيس بنك إنكلترا. أطاحت الثورة المجيدة عام 1688 بالملك الكاثوليكي جيمس الثاني، وأحلّت محلّه بنته البروتستانتية ماري وزوجها الهولندي ويليام الأوراني. ومع أن الانتقال التام من المملكة إلى الجمهورية لم يحدث كما في هولندا، فإن الثورة المجيدة في إنكلترا نقلت قدرًا كبيرًا من السلطة من الملك إلى البرلمان. أدّت الغيرة الإنكليزية، والإعجاب الإنكليزي بالحكومة الهولندية التمثيلية وقوتها المالية إلى إصلاح شامل وتحديث ومركزَة للنظام المالي الإنكليزي.

لم يكن في سوق المال شيء مركزي في إنكلترا في تلك الأيام. تولّى الصاغة أدوار البنوك الكبرى واستنسخوا كثيرًا من الأنشطة التي قام بها تجار سوق المال الأول في أنتويرب. وكان الصاغة يصدرون شهادات إيداع وأوراق متاجرة وأوراقًا محسومة. قضت الحاجة إلى تمويل الحرب على الملك الإنكليزي أن يلغي هذا النظام اللامركزي وأن يستحوذ على دور الفاعل الوحيد بين طبقتي النقد.

كانت القوات البحرية الإنكليزية قد عانت من قريبٍ هزيمة كبيرة على يد الفرنسيين، واقتضت جهود إعادة الإعمار أن تقترض الحكومة المال بإصدار الديون. في عام 1694، تأسس بنك إنكلترا وكان هدفه المصرَّح به شراء هذه السندات الحكومية، وبذلك وُلد ثاني مصرف مركزي. بنت حكومة إنكلترا وبنكها على المثال الذي وضعته الحكومة الهولندية وشركة الهند الشرقية الهولندية وبنك أمستردام، واستفادت من إصدار نقد الطبقة الثانية.

تولّى بنك إنكلترا كذلك حيازة المعادن النفيسة، وإصدار شهادات الإيداع، وتحقيق المناقلات بين المودعين، وإصدار أوراق المتاجرة وجعلها بمنزلة النقد العين. والأهم من كل ذلك أن بنك إنكلترا كان يحسم أوراق المتاجرة ويزيد السيولة في سوق المال في لندن. خلافًا لاحتكار أمستردام لنقد الطبقة الثانية، كانت لندن أكثر قبولًا لأنواع النقد الورقي الأخرى، وكانت رغبة بنك إنكلترا وقدرته على حسم الأوراق عند الحاجة إلى السيولة هي ما يميزه عن مثال المصارف المركزية اليوم.

نظام الذهب

لم يزل الجنيه الإسترليني مقياس العملة في إنكلترا منذ 1158 عندما صكّ الملك هنري مسكوكة فضية نقاوتها 92.5%.[9] كانت العملة مثقالًا من الفضّة قبل أن تسك إنكلترا مسكوكة ذهبية عام 1663 اسمها غينيا، سُمّيت على اسم الإقليم الإفريقي الغربي الذي عُدّن منه ذهبها. جرّت الغينيا على الجنيه الإسترليني تعقيدات نظام ثنائية المعدن، إذ كانت تحمل القيمة الرسمية لها بالجنيه، مثل المسكوكة الفضية الإنكليزية الشلن. ولكن، بُعيد تأسيس بنك إنكلترا، غيّر الرياضي والفيزيائي الإنكليزي السير إسحاق نيوتن، بصفته رئيسًا للمسكّ، سيرورة ثنائية المعدن حول العالم، عندما وضع سعرًا جديدًا بين الغينيات الذهبية والشلنات الفضّية عام 1717. درس نيوتن تدفّق الذهب والفضّة في أنحاء أوروبا وأسعارهما في الدول صاحبة النظام ثنائي المعدن، لا سيما فرنسا وهولندا وألمانيا. استعمل نيوتن نتائج بحثه ليقرّ سعرًا جديدًا بين الذهب والفضّة كان يعتقد أنه أدقّ تعبيرًا عن القيمة الجوهريّة لكلّ من المعدنين. بموجَب هذا السعر الجديد أصبح استيراد الذهب وتصدير الفضّة أربَح للمراجحين، ولم يطُل الزمان إلا وقد توقف استعمال الفضّة مالًا في إنكلترا. نقَل تغيير نيوتن هذا، بقصدٍ أو بغير قصد، العالَم إلى هرم نقديٍّ واحد لا يتربع على عرشه شيء سوى الذهب.

ومع أن الفضّة انقضى استعمالها في إنكلترا بُعَيد تغيير نيوتن بقليل، فإن الانتقال إلى نظام ذهبي كامل لم يكتمل إلا بعد أكثر من قرن، أصبح بعده الجنيه مقوّمًا بالذهب وحده بموجب القانون. تكرر نظام الذهب الإنكليزي في أرجاء العالم إلى أن دخلت معظم عملات الدول الكبرى في النظام نفسه. يظهر الشكل 7 التأويل الطبقي لنظام الذهب العالمي في مطلع القرن العشرين.

الشكل 7

طبقة النقد الثالثة

إلى الآن، نظرنا نظرًا منعمًا في العلاقة بين طبقتي النقد الأولى والثانية، وفي الفاعلين الماليين المتوسّطين بينهما، أما الآن فسنضيف طبقة جديدة إلى الإطار لنفهم الأنظمة النقدية. كانت أوراق المتاجرة في الأهرام النقدية السابقة أدوات نقدية من الطبقة الثانية لأنها كانت وعودًا بدفع الذهب، وهو في الطبقة الأولى. ولكن الأوراق في عصر بنك إنكلترا اختلفت، لأنها لم تكن وعدًا بدفع الذهب، بل بدفع الجنيهات الإسترلينية، ومن ثم فهي طبقة ثالثة من النقد. في هذا الكتاب، سنطلق مصطلح «القطاع الخاص» للدلالة على البنوك والشركات ورواد الأعمال المستقلين عن الحكومة. في الشكل 8، نرى أن القطاع الخاص يصدر وعودًا بدفع نقد الطبقة الثانية، فيكون في الطبقة التالية لبنك إنكلترا في هرم الميزانيات. إذن، كانت مسؤوليات القطاع الخاص في الطبقة الثالثة من النقد. في الشكل 9، ضُمّن تمثيل الميزانية أيضًا ليوجّهك إلى نموذج الطبقات الثلاث الجديد. نقد الطبقة الثالثة ليس بالضرورة معرّضًا لاستغلال أكبر من نقد الطبقة الثانية، ولكنه في الحقيقة أبعَد عن أمان الأصول الخالية من خطر التخلّف مثل مسكوكات الذهب. فعلى سبيل المثال، إذا خافت امرأة إنكليزية أن يكون بنكها في وضع مالي مأزوم، وأرادت مسكوكات من الذهب بدلًا من ودائعها فيه، فعليها أن تجري تجرتين. لا بد أن تحوّل ودائعها أوّلًا إلى أوراق بنك إنكلترا، ثم تحول هذه الأوراق إلى الذهب. أما لو كانت تملك الأوراق مباشرة، فليس عليها إلا أن تجري تجرةً واحدة لتحصل على المسكوكات الذهبية التي تريدها.

الشكل 8

الشكل 9

لئن كان بنك أمستردام هو الذي وضع النموذج الأول للمصرفية المركزية، فإنك بنك إنكلترا هو الذي أسس النموذج الذي نعرفه اليوم للمصارف المركزية في أرجاء العالم. لم يكن تأسيس المصرف المركزي سهلًا منذ البداية. لم يتضمن ميثاق بنك إنكلترا الأول، الصادر عام 1694، أن يستمر البنك أكثر من 11 عامًا. وعند نفاد كل فترة، كانت تقوم المفاوضات بين الحكومة والبنك المركزي. في هذه المفاوضات، كان همّ الحكومة الأول دائمًا أن يموّل البنك إنفاقها، أما دافع بنك إنكلترا فكان زيادة سعر الحصّة فيه لأن ملّاك الحصص فيه يريدون الربح. كان من شأن الحصص في بنك إنكلترا أن تزداد قيمتها ازديادًا كبيرًا بعد تجديد الميثاق، لأن كل تجديد كان يحمل معه توسّعًا في السلطة النقدية.

في التجديد الذي جرى عام 1742، عزز بنك إنكلترا احتكاره لإصدار الأوراق في إنكلترا. لم يعد مسموحًا للقطاع الخاص أن يصدر أوراقًا نقدية من الطبقة الثانية تدفع لصاحبها ذهبًا لدى الطلب، وهو ما حكم على القطاع الخاص أن يبقى دائمًا في الطبقة الثالثة من النقد. مرّ بنك إنكلترا بتجديدات كثيرة وتغييرات كثيرة في القوانين، إلى أن اكتسب صفته الدائمة عام 1844.

المرونة والهشاشة

فلنرَ الآن كيف تزداد مرونة النقد كلما ارتحلنا نزولًا في طبقاته. في طبقة النقد الثانية، أوراق بنك إنكلترا مرنة لأنها مغطّاة باحتياطي جزئي، أي إنها مزيدة عن الذهب الموجود في خزانة بنك إنكلترا. تزداد هذه المرونة عندما يصدر القطاع الخاص ودائع فيها وعد بالدفع بأوراق بنك إنكلترا، وهذه الودائع نفسها مغطّاة باحتياطي جزئي من أوراق البنك المركزي. مع نموّ هرم النقد، تكون الطبقات الدنيا أمرَن الطبقات ولكنها تكون الأهَشّ أيضًا. بالنظر إلى مرونة النقد يمكننا أن ننظر إلى تعامل بنك إنكلترا مع الهلع المالي، وهو عندما يتسلّق الناس هرم النقد ليضمنوا أنواعًا أفضل من النقد.

الملاذ الأخير للإقراض

كانت أوراق بنك إنكلترا نقدًا عينًا لأنها كانت قابلة للصرف بمسكوكات الذهب وبفضل ائتمان الدولة. ولكن هذه الأوراق كانت مع ذلك نقدًا من الطبقة الثانية، وفد ظهر الفرق بين أوراق بنك إنكلترا ومسكوكات الذهب في أزمة مالية محددة. ذُعر عام 1796، الذي قدحه انفجار فقاعة الأراضي في الجهة الأخرى من الأطلسي في الولايات المتحدة الأمريكية المؤسسة حديثًا، وأدّى إلى عدد من التخلّفات البريطانية ومن ثم إلى تزاحم على ودائع بنك إنكلترا الذهبية. كان الهلعُ من نقد الطبقة الثانية إلى مسكوكات الذهب في الطبقة الأولى ليستنفد الذهب في بنك إنكلترا لولا قانون تقييد البنك الصادر عام 1797. أنهى القانون تحويل أوراق البنك إلى ذهب، وهو ما استمر عقدين من الزمان. كان لا بد من الذُّعور المالية في هرم نقدي مثل هذا، مبني على المرونة ومغطّى بالاحتياطيات الجزئية. ولكن بنك إنكلترا ضرب محاولة الذهب في تقديم وازع، وأرسل رسالة قوية أن نقده الذي يصدره في الطبقة الثانية يستطيع أن يقوم بنفسه. إن حقيقة أن مسؤوليات بنك إنكلترا يمكنها أن تقوم من دون قابلية التحويل، دلّت على أن البنك في وقت الأزمات قادر على إنشاء نقد في الطبقة الثانية من دون تقليل قيمة العملة أو خسارة احتياطيه من المعادن النفيسة.

كان للبنك طريقة يحمي بها ممتلكاته من الذهب، ولكنه احتاج أيضًا إلى طريقة ليواجه الأزمات التي تبدأ في الطبقة الثالثة من النقد، مثل خسارة أوراق المتاجرة الصادرة عن القطاع الخاص للسيولة في سوق المال. كان بنك إنكلترا مستعدًّا وقادرًا على تقديم سيولة لسوق الأوراق بحسم الأوراق التي كان ليصعب عليها أن تجد سعرًا في الأزمة. في أي ذعر مثل هذا، كان على البنك أن يكون المصدّ في نظام مرن، لكي يحافظ على قيمة العملة.

في عام 1873، كتب الكاتب البريطاني المشهور، مؤسس مجلة إكونوميست، والتر باغوت، كتابًا مؤسّسًا اسمه شارع لومبارد: وصف لسوق المال بيّن فيه عمل سوق الأوراق النقدية وكيف يجب أن يُدار بنك إنكلترا ليضمن تهدئة الأزمات. يُقتبَس من كتاب باغوت دائمًا وصفُ المصارف المركزية بأنها «الملاذ الأخير للإقراض» في النظام المالي. كان حلّه أن يُقرض بنك إنكلترا النقد مجانًا مقابل أوراق ائتمان لها معدل فائدة مؤدِّب ولكنه معقول:

في الأزمة، ينبغي لأصحاب الاحتياطي البنكي أن يقرضوا لكل من يوفّر سندات صالحة بسرعة وجاهزية وبالمجّان.

صادفت الأزمات المالية في تلك الفترة زيادةً مفاجئة في طلب النقد العين، يحتاج فيها المصدِرون لنقد الطبقة الثالثة سيولةً في أوراق بنك إنكلترا التي في الطبقة الثانية. عند ازدياد الطلب على النقد العين، قال باغوت إن على المصرف المركزي أن ينتج نقدًا من الطبقة الثانية ليلبّي هذا الطلب. على البنك أن يثني سلطته على المرونة ويحافظ في الوقت نفسه على النظام لئلا يشجّع على المجازفات الأخلاقية التي تحدث عندما تخاطر المؤسسات المالية مخاطرة كبيرة لأنها تتوقع أن الحكومة أو البنك المركزي سينقذها إذا ساء وضعها المالي. كان بنك إنكلترا يقدم السيولة بحسم الأوراق التي يراها في حاجة مؤقتة إلى الدعم، لا الأوراق المحكومة بالتخلف مهما كان المناخ المالي. إذا لم توسَّع المرونة عند الحاجة، ستتتالى التخلفات التي قد تؤدي إلى اضطراب في الطبقة الثالثة من النقد. استنتج الكاتب أن على البنك المركزي أن يكثر من إنتاج نقد الطبقة الثانية عندما يحتاج النظام إليه أشد الحاجة، وهي الدعوى التي يقوم عليها نظام عمل المصرفية المركزية منذ ذلك الوقت. إن سلطة إنتاج المال رافقتها مسؤولية فعل أي شيء من أجل الحفاظ على ثمن العملة. كان الجنيه الإسترليني هو عملة الاحتياطي العالمية على امتداد القرن التاسع عشر، إذ استعملته الدول الأخرى وسيلةً للادخار والتوفير بفضل مكانة الإمبراطورية البريطانية واستقرارها. مع توسّع الإمبراطورية إلى أن شملت نصف وجه الأرض، واجه بنك إنكلترا تحدّيًا كبيرًا في الحفاظ على قيمة وطنية يستعملها كل المشاركون في الاقتصاد حول العالم. لن يكون الجنيه الإسترليني هو آخر من يعاني هذه المشكلة. على الجهة الأخرى من الأطلسي، كانت عملة الاحتياطي العالمية التالية تنتظر مشكلة مشابهة.

الفصل الرابع

نظام الاحتياطي الفدرالي

الذهب مال. كل شيء سوى الذهب ائتمان.  —جي. بي. مورغان أمام الكونغرس عام 1912

في مطلع القرن العشرين، بقي الجنيه عملة احتياطي عالمية ولكنه كان يخسر المعركة أمام الدولار الأمريكي. في فترة الثورة الصناعية، بنى البارونات الأمريكيون مثل كورنيليوس فندربلت وجون روكفلر وأندرو كارنيجي وجي بي مورغان وهنري فورد شركات شدّت الطلب على العملة الأمريكية. احتاج العالم إلى الدولار لشراء السلع والخدمات والأسهم في هذه الشركات النخبوية الجديدة. في تلك الفترة، لم يكن للولايات المتحدة بنك مركزي. ولكن، عندما أدّى زلزال ضخم في سان فرانسيسكو إلى أزمة مالية عام 1907، لم تلبث الحكومة الأمريكية أن استفادت من كتاب والتر باغوت ونصبت ملاذًا أخيرًا للإقراض في مركز نظامها المالي. ورث نظام الاحتياطي الفدرالي، وهو جهاز المصرفية المركزية الأمريكية الجديد، عملةً كانت في الأصل في طريقها إلى أن تصبح عملة احتياطي عالمية عام 1914. أسس الفدرالي نظامًا نقديًّا ثلاثي الطبقات، أباح لبنوك القطاع الخاص أن تنشئ أدواتها النقدية في الطبقة الثالثة على ميزانياتها. لم يزل الاحتياطي الفدرالي إلى اليوم على رأس هرم النقد إذ لم يزل الدولار في عرشه عملةَ احتياطي عالمية، وإن كان موقعه في مزيد من الهشاشة اليوم. إن الانقسام المعقّد في الدولار بين السيادة والهشاشة، يمكن تفسيره تفسيرًا أسهل عند استعمال إطارنا الطبقي، وهي القصّة التي ستُقَصّ في الفصول الثلاثة القادمة. في هذا الفصل، سنفصّل هرم دولار الفدرالي ثلاثي الطبقات. ثم سنرى كيف أزال الاحتياطي الفدرالي مع الحكومة الأمريكية الذهب من طبقة النقد الأولى. في النهاية، سنرى كيف تعطّل النظام النقدي العالمي عام 2007، ولمَ يزداد النداء كل عام إلى إعادة إقلاع عالمية للعملات.

النقد في أمريكا المبكرة

في أرجاء مستعمرات العالم الجديد، اختلفت أنواع النقد بين الأقاليم اختلافات واضحة. لم تكن المسكوكات كثيرة في الأيام الأولى لأن المساكّ الاستعمارية لم تكن موجودة، ولم تكن المسكوكات الأوروبية كافية ليستعملها الجميع. دفع هذا الوضع الناس إلى استعمال أنواع محلية من النقد. في نيويورك، كانت القبائل الأمريكية المحلية تستعمل خرَزات من صدف البحر تسمّى الوامبوم، وأصبحت عملة قانونية في القرن السابع عشر. في فرجينيا، أصبح التبغ أصلًا نقديًّا من الطبقة الأولى وأصبح أساس هرمٍ خاصٍّ من النقد بفضل شيوع المحصول حول العالم. أصبح رطل التبغ وحدة حساب في نفسه، وأصدرت فرجينيا سندات تعد بتقديم رطول التبغ لدى الطلب، كانت هذه السندات نقدًا من الطبقة الثانية يستعمله الناس فيما بينهم. صلُح التبغ والأصداف نقدًا إقليميًّا لأن كل واحد منهما كان يحوي بعضًا من الخصائص النقدية للمسكوكات. لم تكن هذه النقود كاملة، ولكنها نجحت في أن تكون نقدًا لعقود كثيرة. كلاهما كانا قابلًا للقسمة، وصعبًا على التزييف، وشرويًّا إلى درجة ما، ومتينًا إلى درجة ما. في النهاية، حلّت محلّهما سكّة الذهب والفضّة لأنها كانت تاريخيًّا أرقى منهما وحدةً للقياس ووسيلةً للمتاجرة.

مع مرور الوقت، دخلت أسواق المستعمرات مسكوكات أجنبية من الفضّة والذهب. كان أشيَع هذه المسكوكات الدولار الفضي الإسباني. في عام 1784، نشر تومس جفرسون ملاحظاته عن إقرار وحدة للنقد، وسكّة للولايات المتحدة، وجادل للدولار أن يكون وحدة العملة الأمريكية الجديدة:

الدولار عملة معروفة، وهي أشد العملات ألفة لعقول الناس. إنها من الآن العملة المعتمدة من الجنوب إلى الشمال، وهي حاملة لهويتنا، ومن ثم فهي عملة مقبولة في الأصل.

مزيج نقدي

بعد ستة عشر عامًة من إعلان الاستقلال، مرّر الكونغرس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية قانون السكّ عام 1792 ليجعل الدولار وحدة الحساب الرسمية في البلد، وعرّف الدولار بأنه 1.6 غرام من الذهب أو 24 غرامًا من الفضّة.

في السنين المئة والثمانية التالية، جرّبت الولايات المتحدة أنظمة نقدية مختلفة. أدّى تعديل مبكر لسعر الصرف بين الذهب والفضّة إلى أثرٍ مناقض لأثر تعديل نيوتن عندما كان رئيس دار السك، فأدّى إلى خروج الذهب من الاستعمال بضعة عقود.

تأسس مصرفان مركزيَّان مختلفان في 1791 و1812، ولكن الاثنين انتهيا بانتهاء ميثاقهما، أي بعد عشرين عامًا. لم يثق كثير من الأمريكيين بالبنوك المركزية أن تدير عملتهم. كان وجود هذه البنوك المركزية نقيضًا للحكومة المحدودة، وقد أدّى إلى مشكلات سياسية كبيرة، منعت هذه المصارف من تجديد مواثيقها. بدلًا من نقد الطبقة الثانية الصادر عن البنك المركزي، كانت البنوك في القطاع الخاص تصدر سندات عملت عمل النقد العين في القرن التاسع عشر. كانت هذه السندات مكفولة من خزانات الولايات المتحدة، وهو اسم سندات الحكومة الأمريكية. ههنا مثال عن اللغة الرسمية المكتوبة على سند العملة المغطّاة من خزانات الولايات المتحدة عام 1902:

عملة وطنية مغطّاة بسندات حكومية مودَعة في خزانة الولايات المتحدة الأمريكية

يدفع البنك الوطني الأمريكي في سان فرانسيسكو لصاحب هذا السند عشرة دولارات عند الطلب

بالإضافة إلى سندات القطاع الخاص، أصدرت الحكومة الأمريكية شهادات بالذهب جرت مجرى النقد العين أيضًا. وبعدهما صدرت أداة تمويل للحرب الأهلية هي نقد ورقي اسمه خضراء الظهر (غرينباك)، لا يمكن استبدالها بالمعدن النفيس، ولكنها جرت مجرى النقد العين أيضًا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر. كان للولايات المتحدة مجموعة مختلطة من أدوات نقد الطبقة الثانية دارت في أسواقها في القرن التاسع عشر. كانت الحدود الفاصلة بين طبقتي النقد الثانية والثالثة صعبة التعريف، لا سيما في غياب مصرف مركزي ونظام نقدي رسمي. في الوقت نفسه، بدأ نظام الذهب الذي بدأ في إنكلترا يسود العالم مع تأسيس الدول الأوروبية لعملاتها في الطبقة الثانية حاملةً للوعد بدفع سكّ ذهبي، وهو ما أدّى إلى عودة استعمال الذهب في الولايات المتحدة. قضى قانون نظام الذهب عام 1900 على بعض الغموض النقدي، وأنهى الدور النقدي للفضة وثبّت الدولار عند غرام ونصف غرام من الذهب الخالص. كان ثمن أونصة تروي من الذهب ثابتًا عند $20.67، وهو الثمن الذي استمرّ منذ 1834.[10] كان القانون أمرًا رسميًّا شكليًّا لأن الأمريكيين كانوا من قبل قد انضمّوا إلى نظام الذهب عمليًّا، ولكن كان لا بد منه من أجل قيمة الدولار. استعدّت الولايات المتحدة عندئذ لمحاولة أخرى لتأسيس مصرف مركزي.

الاحتياطيات

في عام 1906، ضرب زلزال بقوة 7.9 سان فرانسيسكو في كاليفورنيا، وأدّى إلى دمار واسع في الأملاك وخسارة كبيرة في الأرواح: مات أكثر من 3 آلاف نسمة ودُمّر معظم المدينة. بطريقة ملتوية، سبّب هذا الزلزال إنشاء نظام الاحتياطي الفدرالي. في تلك السنين، كانت معظم الأملاك في سان فرانسيسكو مؤمّنة في لندن. دفع المؤمِّنون البريطانيون قسمًا ضخمًا من مستحقّات الضمان في سان فرانسيسكو نتيجة للزلزال، وأُرسل سيل من رؤوس الأموال إلى كاليفورنيا. من أجل الدفاع عن معدل الصرف بين الجنيه والدولار، رفع بنك إنكلترا معدل الفائدة 2.5% في أواخر عام 1906 ليحاول جذب رؤوس المال بعيدًا عن الدولار. نجح الأمر، ودخل الاقتصاد الأمريكي فترة تقلّص، أدّت بدورها إلى أزمة مالية. تلا ذلك سعي حثيث إلى التخلص من نقود الطبقتين الثانية والثالثة إذا كانت صادرة عن أي مؤسسة مالية أمريكية شُكّ ولو من بعيد في أحقيتها بالائتمان. ومع تسلّق الأمريكيين لهرم المال في ذُعر عام 1907، سحب المودِعون في أرجاء البلاد ودائعهم في البنوك سعيًا للحصول على أنواع أعلى من النقد، كسكوك الذهب أو سندات الخزانة. أدّت هذه السحوب في أرجاء البلاد إلى اعتماد المصارف الإقليمية على مصارف نيويورك. مع تصعّد الأزمة، ظهر عملاق المصرفية جي. بي مورغان، ونظّم تخلdصًا ماليًّا للبنوك المتعثّرة، وأنقذ النظام المالي. لم يكن أمام مورغان خيار: لم يكن في الولايات المتحدة مصرف مركزي أو ملاذ أخير للإقراض.

في العام التالي، أقام السناتور الأمريكي نلسون ألدريخ هيئة نقدية وطنية، كانت مهمتها دراسة النظام النقدي في أوروبا وتقديم التوصيات من أجل إصلاح وتحديث نظام الدولار الذي كان غامضًا ومتفككًا في غياب مصرف مركزي. من دون ملاذ أخير للإقراض تموّله الحكومة، ومن دون هرم نقدي واضح التعريف، كان اكتساب الدولار لصفة العالمية صعب المنال. بعد سنين من الدراسة ونشر التقارير والشهادات أمام الكونغرس، حقّق ألدريخ مسعاه لإنشاء مصرف مركزي عندما مرر الكونغرس قانون نظام الاحتياطي الفدرالي في 23 ديسمبر 1913.

كلمة الاحتياطي واردة في اسم المؤسسة نفسه، ولكن ما هي الاحتياطيات، وما موقعها في سردية طبقات النقد؟ تدل الكلمة على آلية أمان، تساعد في حال الأزمة. لا شك أن نظام الاحتياطي الفدرالي تأسس ليحارب الأزمات المالية، بنقد من الطبقة الثانية اسمه الاحتياطيات. احتياطيات الفدرالي هي الودائع، ولكن هذه الودائع لا يصدرها الفدرالي إلا لبنوك القطاع الخاص. أوراق الفدرالي (أو «الدولار الورقي» الذي نعرفه اليوم) هو النقد الآخر الذي يصدره الفدرالي في الطبقة الثانية، وهو متاح لعموم الناس. صدرت أوراق الفدرالي سلعةً عمومية، وعملةً ورقية قوية يمكن استعمالها وسيلة للمتاجرة. ولكن الاحتياطيات هي الأداة الحقيقية التي يستعملها الفدرالي ليحصل على سلطته النقدية. الاحتياطيات هي الهيكل النقدي الذي علينا أن نفهمه لندرك الفرق بين نقد الجملة ونقد المفرَّق.

نقد الجملة (احتياطيات الفدرالي) هو النقد الذي تستعمله البنوك، ونقد المفرّق (أوراق الفدرالي) هو النقد الذي يستعمله الناس. احتياطيات الفدرالي هي ودائع للبنوك وحدها ولا وصول لعموم الناس لها: لا يستطيع أي فرد أن يقوم فيفتح حسابًا في فرع الاحتياطي الفدرالي في مدينته ليحصل عليها. تبدو أهمية الفرق بين نقد الجملة والمفرّق بدوًّا أكبر عند نقاش مستقبل المصرفية المركزية، ولكن في السياق التاريخي، كان واجب الفدرالي أن يقدّم نقد جملة، أو نقدًا لنظام المصارف، عندما يؤدي اضطراب الائتمان إلى الاضطراب المالي. كلّ هذا موجود في الاسم: نظام الاحتياطي الفدرالي كان مقصودًا به أن يكون آلية إنقاذ لاحتياطيات الجملة.

الفدرالي

إن الاسم الكامل لقانون الاحتياطي الفدرالي هو:

قانون لدعم تأسيس مصارف احتياطية فدرالية، ولتقديم عملة مرنة، ولإيجاد طرق لإعادة حسم الأوراق التجارية، ولتأسيس رقابة أقوى على المصارف في الولايات المتحدة، ولأهداف أخرى.

أول هدف مذكور، «تأسيس مصارف احتياطية فدرالية»، يؤسس مباشرةً نقدَ طبقة ثانية موحّدًا ومقبولًا على المستوى الفدرالي، هو «الاحتياطيات»، ويقوم عليه كل نشاط المصارف في الولايات المتحدة. ستزيل المصارف الاحتياطية هذه المزيج اللامركزي الموجود من نقود الطبقة الثانية، وستنهي قدرة القطاع الخاص على إصدار نقود في هذه الطبقة. احتكر القانون إصدار نقد الطبقة الثانية في الولايات المتحدة وجعله حكرًا على الفدرالي، وجعل كل نقود القطاع الخاص في الطبقة الثالثة.

الهدف المذكور الثاني للقانون، «تقديم عملة مرنة»، يؤكّد أن الفدرالي له القدرة على إصدار النقد بتغطية جزئية وأنه سيتيح للمصارف في النظام أن تفعل ذلك أيضًا.

الهدف الثالث المذكور كان رأي والتر باغوت، وهو إعطاء الفدرالي «القدرة على إعادة حسم الأوراق التجارية». الأوراق التجارية هنا هي الديون قصيرة الامد التي تصدرها المصارف والشركات. أتاح هذا الأمر للفدرالي أن يكون ملاذًا أخيرًا للإقراض في النظام المالي بإنتاج ميزانيات احتياطية في الطبقة الثانية لشراء الأصول المالية المضطربة.

آخر هدف كبير للقانون، «تأسيس رقابة أقوى على المصارف في الولايات المتحدة»، في محاولة لتنظيم الفوضى النقدية في ذلك الوقت، يؤسس رقابة الفدرالي المالية على صناعة البنوك، ويعطيه السلطة الوحيدة لإصدار مواثيق البنوك التي تتيح لها إنتاج نقد في الطبقة الثالثة.

أخيرًا، فرض القانون أن يحافظ الفدرالي على نسبة غطاء ذهبي تبلغ على الأقل 35% من المسؤوليات التي يصدرها في الطبقة الثانية، أي إن 35% على الأقل من أصول الفدرالي يجب أن تكون ذهبًا. في الحقيقة، كان الذهب 84% من أصول الاحتياطي الفدرالي لدى تأسيسه، وهو رقم لم يزل في هبوط مع مرور الوقت. اليوم مثلًا، لا يبلغ الذهب إلا أقل من 1% من أصول الفدرالي.

في أول الأمر، لم يكن الاحتياطي الفدرالي مالكًا لسندات خزانة الولايات المتحدة في ميزانيته، ولا كان مريدًا لامتلاكها. أنهى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 هذه النية الأولى، إذ أصبحت بلا قيمة أمام الحاجة إلى تمويل الحرب. لم يمرّ عامان على إطلاق نظام الاحتياطي الفدرالي عام 1916، إلا وقد أُضيف إلى القانون ملحق ليساعد حكومة الولايات المتحدة على تمويل حربها، أنشأ بعده الفدرالي احتياطيات كثيرة ليشتري سندات الخزانة الأمريكية.

إن عملية بناء إضبارة ضخمة لديون حكومة الولايات المتحدة جرّت على هرم الدولار جرائر أكبر. أصبحت سندات الخزانة الأمريكية شريكة للذهب في الطبقة الأولى من النقد بسبب المزيج الجديد من الأصول لدى الفدرالي: مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، انخفض معدّل التغطية الذهبية من 84% إلى أقل من 40%، وأصبح أكثر من نصف أصول الفدرالي سندات للخزانة الأمريكية. كان هذا أول إرهاص بأن سندات الخزانة الأمريكية ستحل محل الذهب في الطبقة الأولى في هرم الدولار لتنفرد وحدها فيها. يظهر الشكل 10 هرم الدولار ثلاثي الطبقات بعيد سنوات من إنشاء الفدرالي.

الشكل 10

الفصل الخامس

إقالة الذهب إن المصدر الأكبر لليورودولارات ولمسؤوليات البنوك الأمريكية، هو قلم المسجِّل. — ملتون فريدمان، الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1976

لم تلبث الولايات المتحدة أكثر من قرنٍ بعد نهاية الحرب العالمية الأولى إلا وقد أنهت نظامها الذهبي. يمكن إرجاع إقالة الذهب من نظامنا النقدي الرسمي إلى سلسلة من الأحداث بدأت بانهيار وول ستريت الكبير عام 1929. إن عشرينيات القرن العشرين، التي يسمّيها الناس العشرينيات المزدهرة، كانت عقدًا وسمته بدايات الاستهلاكية: استهلاك المال أصبح طريقة حياة. أصبح الائتمان متاحًا بوفرة للأمريكي العادي، ولكن بدلًا من حساب كمية نموّه، فلننظر إلى نوع الائتمان الذي كان يُصدَر. بدأت متاجر التجزئة تقدّم بطاقات ائتمان للمستهلكين الأغنياء أول مرة، وبدأت شركات النفط تمنح بطاقات ائتمان برامج الولاء، وغذّت البنوك المضاربة في سوق الأسهم بإقراض ما يصل إلى 90% من رأس المال اللازم لشراء الحصص. أصبحت نيويورك مركز أسواق المال العالمية. أغرَق الطلب حصص الشركات الموجودة في بورصة نيويورك، وتدفقت رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة. قوّى هذا الأمر الطلب العالمي على الدولار تقوية عظيمة، وتوّج العملة الأمريكية عملة احتياطي عالمية. إن سيل إنتاج النقد الذي جرى في العشرينيات المزدهرة كان مضادًّا للوازع الذي كان يفرضه الذهب على مرونة النقد، وهو ما أظهر بعد ذلك الحاجة المجتمعية إلى فصل الدولار عن الذهب. حتمًا، لم يكن في خزانة الولايات المتحدة ذهب يكفي لتغطية العملة المرنة التي وعدت بتقديمها. جاء الدليل على هذا عقب انهيار تاريخي في سوق الأسهم.

عندما اكتشفت أسعار الأسهم الجاذبية في أكتوبر 1929، كان على الفدرالي أن يرد على هذه الأزمة المالية الكبرى ردًّا جادًّا أول مرة في التاريخ. بوجود مقدار ثابت من الذهب في خزائن الفدرالي، ووجود قانون يقتضي تغطية ذهبية أقلّها 35%، لم يستطع الفدرالي إنتاج المقدار الكافي من نقد الطبقة الثانية ليتخلص من الكساد الاقتصادي. أخفقت عدة آلاف من البنوك في أوائل الثلاثينيات، ومحت ملايين الدولارات من إيداعات الشعب الأمريكي. ورافقَ الكساد الاقتصادي الواقع القاسي جدًّا الذي يمكن أن يزول فيه نقد الطبقة الثالثة في أي لحظة. لم يكن في الولايات المتحدة نظام تأمين أو إنقاذ يمكن أن يعوّض خسارة من هذا النوع. حاول الفدرالي أن «يقدم عملة مرنة»، وأن يكون الملاذ الأخير للإقراض ما استطاع، ولكن هذا لم يكن كافيًا للتغلب على آثار تقلص نقد الطبقة الثالثة الذي أدت إليه رغبة الناس بالتخلص من الودائع الخطرة. كان الاحتياطي الفدرالي مقيدا بحد أدنى من التغطية الذهبية، قيّد هذا الحد مقدار الائتمان الذي يتيحه الفدرالي للنظام. رُمي اللوم على وازع الذهب، وقيل إنه هو الذي يمنع تعافي الاقتصاد، وهو ما أدى إلى تغيرات جارفة في هرم الدولار في الثلاثينيات. يجب اعتبار هذه الأحداث هي المحفز الأكبر الذي أدى إلى مغادرة الذهب لمشهد النقد العالمي.

لا ذهب لك

أصدر الرئيس فرانكلن روزفلت الأمر التنفيذي 6102 في الخامس من أبريل 1933، أمر فيه «بدفع جميع سكوك الذهب وسبائكه وشهاداته إلى الحكومة». كان هذا الأمر بيعًا إكراهيًّا للذهب بأوراق الاحتياطي الفدرالي، فُرض على كل المواطنين الأمريكيين، وأنهى حق الناس بالوصول إلى نقد الطبقة الأولى صراحةً.[11] هذا الأمر الوقح جعل امتلاك نقد الطبقة الأولى والمتاجرة به خروجًا على القانون وجريمة يعاقب عليها بما أقصاه السجن عامين، وهو يذكر بأمر بنك أمستردام جميع الصرافين أن يسلّموا مسكوكاتهم النفيسة للحصول على ودائع بنك أمستردام مقابلها، لدى تأسيس البنك عام 1609.

في السنة التالية، مررت الولايات المتحدة قانون الاحتياطي الذهبي عام 1934، الذي خفضت به قيمة الدولار أمام الذهب، برفع ثمن أونصة الذهب من $20.67 إلى $35. كان هذا الخفض الكبير ضربة كبيرة في حرب عالمية بين العملات، كانت كل دولة فيها تحاول أن تخفض قيمة عملتها ما استطاعت أمام الدول المتاجرة معها. كان هدف الدول من هذا جذب الطلب الأجنبي الناجم عن رخص الأسعار. كانت الولايات المتحدة تنسخ ما تفعله كل دولة أخرى: إعطاء أصحاب الذهب قوة شرائية أكبر لشراء البضائع والخدمات الأمريكية. ومن سوء حظ الشعب الأمريكي أن رفع سعر الذهب كان بعد استيلاء الدولة على ذهبهم، وهو ما اقتضى ألا يستفيدوا منه. نقل القانون أيضًا ملكية الذهب في الاحتياطي الفدرالي إلى خزانة الولايات المتحدة، ونقل الذهب ماديًّا من نيويورك إلى مقر الجيش الأمريكي في قلعة نوكس في كنتاكي.

تأمين الودائع

أسس قانون المصرفية عام 1935 شركة تأمين الودائع الفدرالية، ورسّم بذلك تأمين الودائع البنكية للأسرة الأمريكية العادية. في إطار طبقات النقد، شركة تأمين الودائع الفدرالية هي سياسة ضمان تقدمها الدولة لكل ودائع البنوك في الطبقة الثالثة. خفف ضمان شركة تأمين الودائع الخوف الشعبي من اختفاء نقد الطبقة الثالثة، كما اختفى لدى إغلاق 4 آلاف مصرف في عام 1933 وحده. بالأرقام، لم يكن أثر هذه الشركة كبيرًا: كان المبلغ المؤمن لكل مودِع هو 5 آلاف دولار فقط. ولكن من ناحية نفسية، كان الأثر عظيمًا. لن يغادر الناس ودائع الطبقة الثالثة سعيًا لنقد الطبقة الثانية وهم عالمون أن هذه الودائع مؤمنة من الحكومة الفدرالية. من دون الذهب الذي كان وسيلة للتوفير، كان تأمين الودائع الفدرالي محاولة من الحكومة لطمأنة المواطنين أن مدخراتهم بالدولار محمية حتى إذا كانت مودعة في بنوك القطاع الخاص إيداعًا فيه خطر تخلف. في الوقت نفسه تقريبًا، ضمن الاحتياطي الفدرالي احتكاره الرسمي تماما لإصدار الأوراق النقدية، بعد أن دفعت الخزانة الأمريكية آخر سنداتها التي يصلح أن تغطي الأوراق الخاصة. هنا تبيّن هرم الدولار الذي لم يكن واضحًا من قبل: أوهنت قرارات الحكومة بين عام 1933 و1935 النظام النقدي بين الطبقتين الثانية والثالثة، ووازع الذهب الذي يفرضه على الطبقات الأدنى منه. من هنا، بدأت رحلة الدولار وحيدًا، مستقلًّا عن الذهب.

الدولار مَلِكًا

في خضم حرب عالمية بين العملات، برز الدولارُ لأنه أنظف الثياب الوسخة في سلة غسيل العملات العالمية. ولئن كانت قيمة الدولار خُفّضت أمام الذهب، فإن الدول الأخرى فعلت هذا الفعل بأحجام أكبر. ألغى الجنيه الإسترليني نظام الذهب عام 1931، وأنهى رسميًّا عهده عملةَ احتياطي عالمية. ملأت الفراغ عملة القوة العظمى الجديدة في العالم: الولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 1944، اجتمع قادة العالم في فندق في بريتون وودز، في نيو هامبشاير، وقرروا أن كل العملات سوى الدولار ليست إلا نقدًا من الطبقة الثالثة في هرم الدولار. عُرف اتفاق بريتون وودز بعد ذلك بأنه تتويج للدولار عملة الاحتياطي العالمية. لم يؤثر الاتفاق في العلاقة بين أول طبقتين من النقد أي تأثير: لم تزل أوراق الاحتياطي الفدرالي تعد حاملها بأونصة لكل 35 دولارًا عند الطلب. ولكنها أثرت في علاقة الدولار ببقية العملات. أصبح للعملات العالمية معدلات صرف ثابتة بالدولار، ولم تعد قابلة للاستبدال بالذهب. احتكر الدولار العلاقة بالذهب. أصبح الدولار محورًا لكل التقويمات حول العالم. أُجبرت حكومات العالم ومصارفها المركزية على تقويم ودائعها وسنداتها وميزانياتها بالدولار الأمريكي.

أتى الاتفاق بتفريق واضح في العلاقة بين طبقات النقد. أصبحت العملات الأجنبية من نقد الطبقة الثالثة، لا بسبب ورقة الميزانية التي أنشأتها، بل بسبب ارتباط سعرها بالدولار. في الشكل 11، نظهر الدولار في طبقة فوق العملات الأخرى، كالجنيه الإسترليني والفرانك السويسري. وضعنا الجنيه والفرانك تحت الدولار في طبقات النقد لأن سعرهما كان مقيسًا بالدولار. هذا يعني أنه من هنا، سنرى علاقتين ممكنتين بين الأدوات النقدية في إطارنا الطبقي: هرمية الميزانيات وهرمية السعر.

الشكل 11

محكوم بالإخفاق

من سوء حظ نظام النقد العالمي، كان اتفاق بريتون وودز محكومًا عليه بالإخفاق. كان أبصَر المفكرين بشأن عملات الاحتياطي العالمية في تلك الفترة روبرت تريفين، وهو اقتصادي بلجيكي المولد درس الاحتياطي الفدرالي وصندوق النقد الدولي في سنينهما الأولى. توقع تريفين سقوط اتفاق بريتون وودز قبل أكثر من عقد، وصدق توقعه. عندما مُنع مواطنو الولايات المتحدة من امتلاك الذهب، كان مسموحًا للدول الأجنبية أن تحول احتياطياتها من الدولار إلى الذهب. توقع تريفين أن هذه الدول ستستنزف خزائن الذهب في الولايات المتحدة، وهو ما سيجعل معدل 35 دولارًا للأونصة مستحيل الاستبقاء. حذّر تريفين أن قدرة الاستبدال بالذهب لن تدوم إلا بتغيير في النظام الذي وضعه اتفاق بريتون وودز. والأهم أنه رأى أن كون الدولار عملة احتياطي عالمية هو عبء لا نعمة. ستجمع الدول الأجنبية الدولارات لأنها عملة احتياطي. سيقوي هذا الأمر الدولار ويؤدي إلى اختلالات لم تكن لتكون موجودة لولا هذا الطلب الزائد على العملة. كان حل تريفين المقترح لمشكلة كون عملة واحدة هي المقومة لنظام النقد العالمي هو التعاون بين القوى الاقتصادية الكبرى. في حديثه أمام الكونغرس عام 1959، اعترف تريفين أن حله كان صعب المنال، وأن المعضلة التي يحاول حلها هي التي تزيد الطلب على الذهب بوصفه النقد الحيادي الوحيد في العالم، كان الحل:

الحل المنطقي للمشكلة... كان ليحقَّق منذ زمن بعيد لولا الصعوبات التي تعوقه... هو الاتفاق مع عدة دول على جميع جوانب نظام عقلاني لإنتاج عالمي للنقد والائتمان. هذا هو، بالطبع، التفسير الوحيد لبقاء الذهب نفسه. لم يخطر في بال أحد هدرُ للموارد البشرية هو أتفه من استخراج الذهب من زوايا الأرض النائية لنقله إلى مكان آخر وشرائه بعد ذلك مباشرة في حفرة عميقة أخرى، حُفرت خصوصا للحصول عليه وقامت عليها حراسات شديدة لحمايته. ولكن تاريخ الحدس البشري له منطقه الخاص.

الدولارات الخارجية

إن قصة اليورودولار قصة لا تُروى بقدر ما يجب أن تُروى. لكنها ضرورية لفهم الفوضى التي حلت بتقويم الدولار في الأزمة المالية في 2007–2009، ولماذا بقي النظام النقدي العالمي في حالة متعطلة منذ تلك الأزمة، والأهم: لماذا يتعطش العالم إلى إصلاح نقدي.

بدأ الأمر كله صبيحة الحرب العالمية الثانية عندما أصبح الدولار الأمريكي وضوحًا مركز رأس المال حول العالم، وكانت أوروبا تعيد إعمار نفسها، بتمويل من الدولار. في فترة بريتون وودز، بدأ الدولار يسود التقويم في التجارة العالمية. اتجهت الشركات في أرجاء العالم إلى جعل أوراق ميزانيتها بالدولار. موّلت الشركات عملياتها بالدولار بدلًا من العملة المحلية لأن سوق رؤوس المال في الدولار أوسع. صعد الطلب على الدولار خارج الولايات المتحدة صعودًا خرافيًّا، وكانت مصارف لندن وباريس وزيورخ حاضرة لتلبية هذا الطلب. استطاعت هذه البنوك الأوروبية أن تقدم معدلات إيداع أفضل من نظائرها الأمريكية بفضل اختلاف التشريعات في البلدان. دفع هذا الأمر الناس إلى إيداع دولاراتها في بنوك أوروبا. هذه الدولارات الخارجية التي تصدرها البنوك الأوروبية، تُسمّى اليورودولارات (وكلمة اليورودولار لا علاقة لها مطلقًا بعملة اليورو، التي لم تؤسس إلى عام 2001). اكتشفت المصارف العالمية طريقة لإنشاء الدولارات من دون إذن من أحد، بعيدًا عن إشراف الاحتياطي الفدرالي. كانت هذه المصارف العالمية (الخارجية) خارج سلطة الولايات المتحدة ولذلك لم يكن عليها أن تلتزم بمعدلات التغطية الذهبية أو معدلات الاحتياطي التي يفرضها الفدرالي والحكومة الأمريكية.

ومما زاد من الطلب على اليورودولارات: الخصوصية المالية من الحكومة الأمريكية. سادت الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية مشهد خمسينيات القرن العشرين. على رغم الانقسام السياسي، لم يستطع السوفييتيون تجنب التقويم بالدولار لأنهم احتاجوا إلى الدولار لدفع أثمان المواد والبضائع المستوردة اللازمة لهم لبناء إمبراطوريتهم. كان معروض الدولار مقيَّدًا ومراقبًا من جهة نظام الاحتياطي الفدرالي، لذا أُودعت دولارات السوفييت في بنوك لندن بدلًا من بنوك أمريكا. بذلك، تجنبت نقودهم سلطة نظام الاحتياطي الفدرالي وحكومة الولايات المتحدة. كان لحكومة الاتحاد السوفييتي الشيوعية حافز قوي لتجنب الرقابة المالية والخضوع المالي لخصمها الرأسمالي. اختار السوفييتيون ودائع البنوك الأوروبية على ودائع البنوك الأمريكية وإن كانت هذه الودائع مقومة بالدولار الأمريكي.

في عام 1957، بدأت تجارة هذه الودائع الخارجية المقومة بالدولار إلى جانب بعض الأدوات النقدية الأخرى في مدينة لندن، وهو ما أنشأ سوق اليورودولار. أثبت اليورودولار أنه ليس مجرد نوع آخر من الدولار، بل هو مناقضة للنظام النقدي العالمي ومحفز لتطوره. وصف عضو مجلس الاحتياطي الفدرالي والكاتب المُكثر عن اقتصاد النقد تشارلز كندلبرغر اليورودولار بأنه نتيجة للطلب الطبيعي لحرية تدفق رؤوس المال حول العالم. في عام 1970، لاحظ كندلبرغر أن اليورودولار كان ضرورة لأن نظام الاحتياطي الفدرالي وبنوك القطاع الخاص لم تنتج ما يكفي من نقد الطبقة الثانية أو الثالثة للمستخدمين الدوليين:

إن تطور اليورودولار ليصبح مركزًا لرؤوس المال حول العالم، مستقلًّا عن الدولار بالمكان وعن أوروبا بالعملة... هو نتيجة لا لتخطيط الاقتصاديين بل للسلوك التطوري. يدل هذا على أن قوى التكامل في العالم، قوى أسواق البضائع، أو الأسواق التي تخدم الناس، وأسواق رؤوس المال، أقوى من الحدود السياسية التي تقسم الدول.

كانت الدولارات ضرورة خارج الولايات المتحدة من أجل المشاركة في الاقتصاد العالمي الذي يهيمن عليه الدولار أكثر فأكثر. كان لا بد من أن يقدم أحد هذه الدولارات، حتى إذا لم تكن إلا مشابهة بالشكل لدولارات الاحتياطي الفدرالي والنظام المصرفي الأمريكي. بإصدار اليورودولارات، كانت البنوك الأوروبية تستجيب للطلب العالمي على الدولار.

ترسّخ الدولار ترسّخًا عميقًا بوصفه تقويم الاقتصاد العالمي: أصبحت براميل النفط تثمَّن بالدولار، واتفاقات التجارة، وميزانيات المصارف العالمية. بسبب تقدم اليورودولار، تغير هرم الدولار النقدي. لم يكن الفدرالي قادرًا على ترتيب عالم البنوك العالمية واليورودولارات، ولا على تحليله ولا على تقنينه تقنينًا صالحًا، لذا لم يكن واضحًا في أي طبقة يقع اليورودولار. هل اليورودولار نقد في الطبقة الثالثة يقع تحت أوراق الاحتياطي الفدرالي؟ هل هو نقد في الطبقة الثانية تحت سندات الحكومة وأدوات الائتمان التي يملكها البنك المصدر؟ أم هو هرم جديد، متّصل بهرم الدولار القائم؟ لم تكتمل إجابة هذه الأسئلة إلى أن حدثت أزمة 2007–2009 المالية. في الشكل 12، سنعرض اليوودولار مع إشارة استفهام على رأس الهرم لندل على الغموض النقدي للبنوك العالمية التي تصدر الدولار.

الشكل 12

التقاعد الذهبي

في عام 1961، ظهرت أول العلامات المحذرة التي أنبأت بأن إمكان تحويل الدولار إلى ذهب في خطر محدق. مع تعالي صوت تحذيرات روبرت تريفين في آذان صنّاع السياسة، اجتمعت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى لإنشاء مجمع الذهب، الذي تبيع فيه المصارف المركزية المعادن النفيسة في السوق لتحافظ على سعر الأونصة بـ 35 دولارًا. جمعت الدول الأجنبية الدولارات لأن الدولار كان عملة احتياطي عالمية، وبدأت تحويل هذه الدولارات إلى ذهب. بدأت طلبات استرداد الذهب تشكل ضغطًا على ثمن الذهب الثابت بالدولار. انهار مجمع الذهب بعد سبع سنين عندما تجاوز ثمن أونصة الذهب 35 دولارًا رسميًّا في الأسواق الأوروبية. في السنين القليلة التالية، أزال الذهب نفسه بسلام من طبقة النقد الأولى في هرم الدولار، وخسر مكانته النقدية الرسمية. في عام 1971، ألغت الولايات المتحدة إمكان تحويل الدولار إلى ذهب، وكان يفترض أن هذا الإلغاء مؤقت، ولكن الدولار لم يعد مطلقًا إلى علاقته بالذهب. بعد سنتين، بدأ عصر العملات العائمة بحرية، وانتهى اتفاق بريتون وودز رسميًّا. أصبح الذهب هو النقد المحايد غير الرسمي، الذي لم تزل تملكه الحكومات والمصارف المركزية حول العالم بوصفه نقدًا من الطبقة الأولى خاليًا من خطر التخلف.

الفصل السادس

الدولار معطوبًا

اليوم، نظامنا المالي معطوب. هو يعمل، ولكن الاختلالات التي فيه تجعله معرّضًا للتفسّخ. كاد ينهار النظام المالي في 2008، وكاد ينهار مرة أخرى في 2020. قام الاحتياطي الفدرالي بعمله ملاذًا أخيرًا للإقراض في كل هذه الظروف، وحافظ على حياة النظام المالي، ولكن الجميع يفهم الآن أن الفدرالي هو مصدر السيولة الوحيد في العالم، وأن النظام لا يستطيع أن يقوم من دون دعمه المستمر. في إطار طبقات النقد، نرى أن الأماكن في هرم الدولار التي ليس فيها ضمان سيولة ظاهر أو باطن من الاحتياطي الفدرالي قليلة أو معدومة. لقد شقّ هرم الدولار نفسه في أماكن كثيرة منذ 2007، ولم يعد للاحتياطي الفدرالي خيار سوى وضع ضمادات الجروح على كل أجزاء أكذوبته. يروي هذا الفصل قصة كيف أصبح الاحتياطي الفدرالي الملاذ الوحيد للإقراض في العالم.

قلم المصرفيّ

من دون الذهب، أصبحت سندات الخزانة وحدها في رأس هرم الدولار نقدًا من الطبقة الأولى. سندات الخزانة نفسها نوع من أنواع الائتمان، واستحقاقها للائتمان آت من أصول حكومة الولايات المتحدة وقدرتها على جباية مواطنيها. أصبحت هذه السندات أجوَد طريقة لتخزين الدولارات، ولم تزل كذلك إلى اليوم. في غياب الذهب، استعملت ميزانية الفدرالية سندات الخزانة أصلًا رئيسًا، واستعملها القطاع الخاص بوصفها أفضل نوع من الضمان النقدي. إن امتلاك البنوك لهذه السندات الحكومية يعطيها القدرة على إنتاج نوع آخر من الدولار يسمى دولار إعادة شراء سندات الخزانة.

في أيام الحرب العالمية الثانية، أنهت خزانة الولايات المتحدة استقلال الاحتياطي الفدرالي بالسياسة النقدية وأجبرته على تمويل الحرب. اشترى الفدرالي مقادير ضخمة من سندات الخزانة الأمريكية بثمن فائدة ثابت نتيجة ذلك، وحلّ سعي حكومة الولايات المتحدة إلى الهيمنة الجيوسياسية محل السياسة النقدية المستقلة سياسيا للفدرالي. بعد عدة سنوات من انتهاء الحرب، أعاد اتفاق الخزانة والفدرالي الاستقلال إلى الفدرالي، ولكن الأهم أنه نقل كميات كبيرة من سندات الخزانة إلى أيدي بنوك تجارية مسؤولة عن سلامة سوق سندات الخزانة وعن الاتجار بها. لهذه البنوك المتاجرة القدرة على استخراج السيولة من سندات الخزانة التي في حوزتها، بالاستفادة من سوق للاقتراض المضمون هو سوق إعادة شراء سندات الخزانة. في أي متاجرة إعادة شراء لسندات الخزانة، يستطيع أي بنك يملك سند خزانة أن يجعله ضمانًا أو رهنًا ويستدين به نقدًا. يحدث إنتاج دولار إعادة شراء سندات الخزانة، كما حدث إنشاء اليورودولار: بقلم المصرفي. تستطيع البنوك أن تستعمل هذا المال الذي استدانته من سوق إعادة الشراء لتسوية التعاملات فيما بينها، وبذلك تصبح سندات الخزانة مصدرًا جديدًا للنقد. في 1979، استنتج الاحتياطي الفدرالي في دراسة أن الانفجار في متاجرات إعادة شراء سندات الخزانة في الحقيقة يؤدي إلى زيادة إجمالية في معروض الدولار المقيس، واعترف أنه غير قادر على إجراء هذا القياس بدقة كاملة. بحلول عام 1982، كان الاحتياطي الفدرالي قد تخلى تماما عن إدارة معروض الدولارات لأنه خسر القدرة على متابعته، بين انفجار اليورودولارات ودولارات إعادة شراء سندات الخزينة، خسر معروض الدولار النقدي كل قابليته للقياس. اتجه الفدرالي بدلًا من ذلك إلى نظام تركز سياسته النقدية على إدارة معدلات الفائدة قصيرة المدى.

مجموعة الأسعار المرجعية للدولار

الأسعار المرجعية أمر لا بد من فهمه لفهم انهيار نظام الدولار في 2007. السعر المرجعي هو سعر فائدة وسيلة ائتمان يعتبر خاليًا من الخطر في النظرية المالية الأكاديمية. تستعمل النظرية المالية مفهوم «السعر الخالي من الخطر» مرجعًا لتحديد مقدار الخطر في الاستثمار. ولكن وسائل الائتمان بالتعريف تنطوي على خطر تخلف، فليس فيها شيء خالٍ تماما من الخطر. كل مقترض، مهما كان قويًّا وعظيمًا، قد يتخلّف عن سداد دينه نظريًّا. ولكن في الواقع، لم تتخلف خزانة الولايات المتحدة الأمريكية قط عن التزاماتها، ولها مصرف مركزي يغطي كل إصداراتها. الفدرالي هو أكبر مالك لسندات الخزانة في العالم، والراجح أنه سيظل يشتريها إلى الأبد لأن شراء سندات الخزانة هو الطريقة التي ينتج بها الفدرالي احتياطيات في الطبقة الثانية للنظام.[12] تذكر كذلك أنه قد سُمح للفدرالي في الماضي أن يشتري سندات الخزانة ليساهم في تمويل الحرب.

تعدّ سندات الخزانة الأصل الخالي من الخطر في الأكاديميا لأن النماذج المالية ومعادلات التقدير تحتاج إلى سعر فائدة مرجعي تعود إليه. إن طيف الإقراض المالي كله، من دين الشركات، إلى رهون الإسكان العقارية، إلى بطاقات الائتمان، يستعمل الأسعار المرجعية. في النهاية، لن يأخذ مُقرِض من أسرة معدل فائدة أقل من الذي يأخذه من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. من منظور طبقات النقد، تنظر الأدوات النقدية دائمًا إلى الطبقة التي تعلوها –أو التي تعلو التي تعلوها – لتحديد ثمن الفائدة المرجعي. مرة بعد أخرى، يقود النظر إلى سندات الخزانة بوصفها آمَن الأصول في طيف الدولار. وهي حقًّا كذلك. ليس في العالم شركة أو حكومة أو كيان خاص له السجل الذي لخزانة الولايات المتحدة، الذي نرى فيه التغطية الضمنية من المصرف المركزي القوي الذي هو الفدرالي، وهو ما يتوّج سندات الخزانة بصفة الأصل الخالي من الخطر. ولكن، أسعار فائدة سندات الخزانة ليست الأسعار المرجعية الوحيدة في عالم الدولار.

فلنلق أوّلًا نظرة على الفرق بين سندات الخزانة نفسها. تتراوح أزمنة استحقاق سندات الخزانة الصادرة حديثًا من شهر إلى ثلاثين عامًا، وهو ما يعني وجود مجال للخطر بين السندات. ولئن كان لأوراق الخزانة قصيرة الأجل (T-Bills) اختلاف أقلّي في السعر خلال حياتها، فإن سندات الخزانة طويلة الأجل لها حساسية أكبر لاختلاف أسعار الفائدة.[13] هذه الحساسية، التي تسمى المدّة، تعطي سندات الخزانة الأمريكية القديمة حجم مخاطرة مختلفًا عن أخواتها النقديّات، الأوراق قصيرة الأجل. ليس للأوراق قصيرة الأجل مدّة معتبرة لذا تعتبر أجوَد السندات، وأسيَل الأدوات النقدية في هرم الدولار. لذا فإن سعر الفائدة على قصيرات الأجل واحد من أكثر الأسعار اقتباسًا في سوق النقد.

يستهدف الاحتياطي الفدرالي سعر فائدة قصير الأجل في سياسته النقدية المسماة سعر صندوق الفدرالي، وهو سعر إقراض بين البنوك لودائع الاحتياطيات لدى الفدرالي، وهي في الطبقة الثانية. هذا السعر هو سعر مرجعي أساسي لأنه هو الذي يريد الفدرالي أن يجعله للإقراض قصير المدى في نظام المصارف الوطنية الأمريكي.

في عام 1986، رُسّمت أسعار فائدة اليورودولار في لندن بسعر سُمّي LIBOR، يعبّر عن متوسط سعر الفائدة الذي تتقارض به بنوك لندن اليورودولارات. لم يكن لهذه الدولارات أي علاقة باحتياطيات الفدرالي أو ودائع الدولار ثالث الطبقة التي تؤمنها شركة تأمين الودائع الفدرالية. ولكن الليبور كان مرآةً لسعر صندوق الفدرالي، ولم يشهد عالم الاستثمار أي اختلاف كمي في سعر النقد بين البنوك بين لندن ونيويورك.

في عام 1998، قدّمت شركة مقاصّة الدخل الثابت سعر فائدة اسمه صندوق الضمان العام، وهو سعر يعكس متوسط سعر فائدة الإقراض بضمان في سوق إعادة شراء سندات الخزانة. أُنشئ مفهوم الضمان العام لإمكان وجود مئات الأنواع المختلفة من سندات الخزانة في أي وقت، ومن ثم فلا بد أن يكون قياس سعر الفائدة في سوق إعادة شراء سندات الخزانة بتوسيط سعر الفائدة في المعاملات فيه.

كانت أسعار الفائدة لقصيرات الأجل، ولصندوق الفدرالي، وسعر ليبور، وسعر الضمان العام، كلها متطابقة، وهو ما يعني أن النظام المالي رأى هذه الأنواع الأربعة من النقد متطابقة نوعًا ما. سارت أسعار الفائدة المرجعية سيرًا واحدًا متفقًا إلى أن جاء التاسع من أغسطس عام 2007، وعندها تحول الاتفاق إلى فوضى. قبل أن نذكر ما جرى في ذلك اليوم، لا بد أن نبدأ بنظرة عامة إلى صندوق سوق النقد.

صندوق سوق النقد

معظم الناس بطبيعتهم ينفرون من الخطر. ومن شأنهم أن يتجنبوا الخطر، أو بعبارة نقدية، أن يسعوا إلى النقود عالية المستوى التي لا تتخلف. للكميات الصغيرة، تكفي ودائع البنوك في الطبقة الثالثة التي تضمنها شركة تأمين الودائع. أما الكميات الكبيرة فأمرها أعقَد. فلنعد إلى مثال شركة الهند الشرقية الهولندية، وحصصها، وإنشاء بنك أمستردام لنلقي الضوء على وضع النقد اليوم، بالمقارنة مع الاستثمار. في أمستردام، كانت حصص شركة الهند الشرقية الهولندية تضاربية ولكنها كانت مربحة للمستثمرين الأوائل. عندما كان المستثمرون يريدون البيع، كانوا يطلبون نوعًا من النقد أرقى من مسكوكات الذهب والفضّة المحشوّة في حقيبة. قدّم بنك أمستردام هذا النوع من النقد، وكان ودائع بنك أمستردام، التي أصبحت بحكم القانون الطريقة الشائعة للتبديل بين الاستثمار والنقد. في ذلك الوقت تحوّلت كلمة النقد إلى كلمة هي نقيض الاستثمار الذي فيه خطر. يشير النقد العين هنا إلى نوع من النقد أعلى من الأسهم والسندات، لا إلى النقد الورقي فقط. في الحقيقة، لا يمكن لأي مستثمر كبير أن يستعمل النقد الورقي لأي فائدة: هذا النوع من النقد عديم النفع عند التعامل مع مقادير كبيرة من المال. النقد العين اليوم، يعني الأدوات النقدية الآمنة بالمقارنة مع كل الاستثمارات الأخرى التي فيها خطر. هنا يأتي صندوق سوق النقد.

فلنقل إنك فزت مسابقة بمليار دولار. ومن سوء حظّك أن حكومتك تأخذ ضريبة قيمتها 99.99% من كل جوائز اليانصيب، وهو ما جعلك أمام بيان ضريبي قيمته 999 مليون دولار. لن يقبل جابي الضرائب مالك إلى شهر. كيف تبقي مالك نقدًا عينًا؟ آمَن طريقة هي أن تشتري سندات الخزانة قصيرة الأجل التي تبلغ استحقاقها في يوم استحقاق ضريبتك. بهذه الطريقة، تبقى أموالك مرتبطة بآمَن أصل موجود إلى أن تُستَحق الضريبة. نقد الطبقة الثانية ببساطة ليس خيارًا أمامك: لا يستطيع أي بنك أن يخزن هذا المقدار بالنقد الورقي، وأنت -لأنك فرد ولست مصرفًا- لا تستطيع الوصول إلى احتياطيات الفدرالي. يمكنك أن تبقي المال وديعة في بنك، ولكن هذا النقد في الطبقة الثالثة يفوق المقدار الذي تؤمنه شركة تأمين الودائع، لذا فهو حامل لخطر التخلف من جهة البنك. إذا كان البنك جيّدًا، فليست مشكلة، ولكن هل تريد حقًّا أن تضع كل بيضك في سلة واحدة وأن تأتمن بنكًا واحدًا على مليار دولار؟ أمامك خيار يجمع سندات الخزانة، وودائع البنك، وأدوات النقد الأخرى، هو الحصص في صندوق سوق النقد: أداة نقدية تخدم الطلب العالمي الذي لا ينتهي على نوع آمن من النقد في عالم مليء بالاستثمارات الخطرة. أفضل خيار أمامك هو وضع جائزتك في استثمار في صندوق سوق النقد.

أصبحت الاستثمارات في صندوق سوق النقد شائعة في سبعينيات القرن العشرين بالتزامن مع توسع عرض سوق إعادة شراء سندات الخزانة. كانت الحصص في صندوق سوق النقد منتجًا مرغوبًا جدًّا: لأنها كانت طريقة للتنويع الاستثماري من أجل الابتعاد عن خطر تخلف البنك، وهي في الوقت نفسه تعطي أداة نقدية تشبه نقد العين. كانت هذه الحصص تتصف بأقوى صفات النقد: كان لها قيمة اسمية تقارن بأنواع النقد الأفضل الأخرى في الطبقتين الثانية والثالثة. أي إن الدولار المستثمر في صندوق سوق النقد سيبقى دائمًا دولارًا. استثمرت صناديق سوق النقد في سندات الخزانة قصيرة الأجل، وسندات أخرى للخزانة، وفي أسواق إعادة شراء سندات الخزانة، وفي الأوراق التجارية، وفي سلسلة من البنوك.

أصبحت حصص صندوق سوق النقد، بالاعتماد على مزيج الأدوات النقدية التي تستعملها، نقودًا قائمة بنفسها في الطبقتين الثانية والثالثة. اشتعل الطلب على حصص صندوق سوق النقد لأنها كانت تتيح طريقة بسيطة لامتلاك مزيج من الأدوات النقدية في سند واحد. كان النقد الزائد لدى مديري الاستثمار في أرجاء العالم يبدَّل كل ظهيرة بحصص في صندوق النقد الذي يشتري بعد ذلك بها أدوات نقدية. هكذا تحوّل مجمع النقد العالمي إلى شريان حياة للشركات متعددة الجنسيات التي بدأت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على تمويل عملياتها بالأوراق التجارية. إذا أراد أصحاب النقد لسببٍ ما، أن يبيعوا حصصهم في صندوق سوق النقد ليشتروا أدوات نقدية أعلى طبقةً، ستواجه البنوك والشركات التي تعتمد على الطلب المستمر لهذه الحصص أزمة في السيولة. لذا، كان نجاح صندوق سوق النقد أيضًا هشاشةً أخرى تُضاف إلى النظام المالي. يظهر الشكل 13 كيف كان شكل هرم الدولار قبيل القرن الواحد والعشرين وكيف أصبحت الحصص في صندوق سوق النقد النوع السائد من النقد المفرَّق. عندنا هرمان، أحدهما يمثل نظام الدولار الأمريكي، والثاني يمثل نظام الدولار الأمريكي الأجنبي (في أوروبا وغيرها).[14][15]

الشكل 13

عندما أخفقت الودائع بين البنوك

كانت إدارة رأس المال على المدى الطويل صندوق تحوّط انطلق عام 1994 وله قاعدة شعبية كبيرة. رسم شركاء هذا الصندوق صورة من الكمال بسجلّاتهم الاستثمارية. من هؤلاء الشركاء بنك الإخوة سالومون الاستثماري، والاحتياطي الفدرالي، وعالما اقتصاد فائزان بجائزة نوبل. كان فنّهم هو المراجحة، مثل حسَمة الأوراق الذين كانوا في أنتويرب في القرن السادس عشر، التي بنيت عليها أسواق النقد. كان ما يميز هذا الصندوق عن منافسيه مراجحة أسعار الفائدة، وكميات الرفع الضخمة، والتفويض المطلق من أكبر بنوك العالم الاستثمارية. ولكن الأمر انتهى إلى خراب الصندوق بعد أن أخفق بعد أربع سنين من إطلاقه. كتب الصحفي المالي روبرت لونستاين كتابه عندما أخفقت العبقرية عن سقوط إدارة رأس المال على المدى الطويل في عام 1998، ولخّص فيه القصة أفضل تلخيص. لم يكن اتخاذ صندوق تحوّط لمخاطرة أكبر من حجمه، ثم إفلاسه أمرًا جديدًا، بل هو المألوف من دورات الازدهار والضجة والسقوط. كان الإلهام المخيف الذي أتى من سقوط إدارة رأس المال على المدى الطويل هو الدخان الذي أنبأ بأن أحداث 2007 وما بعدها كانت حتمية. لم يلبث الاحتياطي الفدرالي أن أنقذ البنوك الاستثمارية المتعاملة مع إدارة رأس المال على المدى الطويل ولم تلبث الإدارة أن حُلّت، إلا وقد صرّح الأمين العام للاحتياطي الفدرالي آلان غرين سبان أن هذا الإنقاذ كان للضرورة لوجود خطر انهيار النظام المالي كله، وقال أمام الكونغرس:

كان الأمر، في جميع تقديراتنا، أن احتمال [انهيار النظام] كان كبيرًا بما يكفي ليزعجنا جدًّا إذا لم نفعل شيئًا... برأيي أنا، كان الاحتمال تحت 50% بنسبة جيدة، ولكنه كبير بما يكفي ليقلق.

لم يدرك الناس جاذبية اعتراف غرين سبان إلا مع مرور الوقت ومع اتخاذ الاحتياطي الفدرالي لمزيد من الإجراءات الطارئة. اعترف غرين سبان أن النظام كان يمكن أن ينهار لولا إنقاذ بلغت قيمته 3.6 مليار دولار. لماذا؟

الجواب هو المشتقّات. المشتقّات، هي عقود مالية لا تعدّ سندات. (السندات هي الأسهم والصكوك مثلًا، أما المشتقات فهي الأسهم الاختيارية، والعقود الآجلة، ومبادلات أسعار الفائدة.) ازدهرت المشتقات في تسعينيات القرن العشرين وكانت طريقة لتعريض الميزانية لمجموعة من العوامل، أشيَعها تقلبات أسعار الفائدة. هذه المشتقات هي مسؤوليات بنكية بشكل جديد، شكل يصعب على المشرّعين الماليين وحتى على النظام المصرفي أن يفهمه فهمًا كاملًا. كانت المشتقات شبكة متداخلة من المسؤوليات المالية في النظام المصرفي، تركز الخطر في العلاقات بين مجموعة من البنوك في الولايات المتحدة وأوروبا. أدّى طلب هامش كبير من بنك الاستثمار الكبير وشريك إدارة رأس المال على المدى الطويل بير ستيرنز في سبتمبر 1998 إلى إدراك جماعي أن المشتقات التي يحملها صندوق التحوط قادرة على هدم خطر التخلف بين البنوك تمامًا.

عندما أنقذ الفدرالي إدارة رأس المال على المدى الطويل، كانت القيمة السوقية الإجمالية لكل المشتقات المالية في العالم، شاملةً لمبادلات أسعار الفائدة ومبادلات تخلف الائتمان ومبادلات القطع الأجنبي، تبلغ 3 تريليونات دولار. بالمقارنة، كان المعروض الإجمالي لسندات الخزانة الأمريكية أيضًا نحو 3 تريليونات دولار. في عام 2007، ازداد معروض سندات الخزانة إلى 4 تريليونات دولار، ولكن القيمة السوقية للمشتقات ازدادت إلى 11 تريليونًا. ولئن كانت سندات الخزانة التي تبلغ 4 تريليونات دولار قائمة على سجل دام مئتي عام من الأهلية الائتمانية، فإن قيمة المشتقات (11 تريليونًا) كانت مترنحة على صلات الثقة بين البنوك، الدقيقة المنهوكة.[16]

الطريق إلى العطب

على رغم الفجوات التي ظهرت في أساس هرم الدولار بعد إنقاذ إدارة رأس المال على المدى الطويل، فإن أسعار الفائدة في سوق النقد حافظت على مظهر أمتَن، وإن كان زائفًا. حافظت أسعار سندات الخزانة الأمريكية، وصندوق الفدرالي، وليبور اليورودولار، والضمان العام في سوق إعادة الشراء، على الاتفاق سنين طويلة. كانت تحدث بعض الاختلافات ولكنها كانت دائمًا تكون نتيجة عوامل موسمية أو خاصة. بدأ كلّ هذا يتغير في التاسع من أغسطس 2007. في ذلك اليوم، ارتفع سعر ليبور 0.12% عن بقية الأسعار في سوق النقد، وهو رقم يبدو تافهًا، ولكنه كان بداية أمر درامي. في العشية السابقة لذلك اليوم، امتنع بنك BNP باريباس الفرنسي عن تقييم بعض المشتقات وجمّد سحب النقد من الصناديق التي تحوي أدوات مالية متعلقة بالمستدينين الأمريكيين الخطرين. تلت ذلك رجّة في الثقة بين البنوك في سوق المال، امتدّت أسابيع بعد ذلك. خافت البنوك من إقراض أي مقدار من المال لأنها لم تكن واثقة أن البنوك الأخرى ستفتح في اليوم التالي. انتهت فترة التعرّض غير المحدود بين البنوك، وحلّت محلّها حالة من القلق والتوتر. هنا بدأ تسلّق هرم الدولار.

في 12 ديسمبر 2007، اضطر الاحتياطي الفدرالي أخيرًا إلى معالجة المشكلة الكبيرة التي يتجاهلها، وهي أن الثقة بين البنوك الأوروبية، و«قلم المسجّل» الذي ينشئ اليورودولارات قد انعطبا. ظهر تقلص الثقة بين البنوك الأوروبية، الذي عبّر عنه صعود سعر الليبور، وأدّى إلى اهتزاز هرم الدولار كما لو كان زلزالًا. افتتح الفدرالي خطوط مبادلة قطع أجنبي إلى البنك المركزي الأوروبي، والبنك السويسري الوطني، ليوفّر سيولة للنظام المصرفي الأجنبي، وتغاضى عن إنتاج مسؤوليات بالدولار خارج إشرافه. لقد توسّع دور الفدرالي ملاذًا أخيرًا للإقراض خارج حدود الولايات المتحدة، بسبب التطور المعقد للنظام النقدي العالمي، لا لأن واجبه القانوني تحول فجأة من السياسة النقدية الوطنية إلى السياسة النقدية العالمية. لم يكن من هذه المعضلة مخرج ولا كان مجالًا للنقاش أن النظام النقدي العالمي كان معتمدًا على الاحتياطي الفدرالي بوصفه ملاذًا وحيدًا للإقراض. أدت مبادلات القطع الأجنبي هذه إلى نوع آخر من نقد الطبقة الثانية أتاحه الاحتياطي الفدرالي خصوصًا لبعض المصارف المركزية المختارة.

في خضم موجة من التخلف عن الرهون في 2008، بدأت الشبكة المعقدة من مشتقات الرهون المخفقة تسبب انهيار الطبقات الدنيا من هرم الدولار، وهو ما أدى إلى عواقب دراماتيكية دائمة. عندما أخفق بنك الاستثمار المشهور ليمان برذرز في 15 سبتمبر 2008، انهار سعر الحصة في صندوق الاحتياطي الأساسي إلى أقل من دولار واحد، إذ أصبح سعر الحصة فيه 0.97 دولار، لأنه كان يملك مقدارًا معتبرًا من الأوراق التجارية التي أصدرها ليمان برذرز وأصبحت الآن متخلّفة. هذا السقوط الذي جعل الحصة بأقل من دولار بثلاثة سنتات، أدّى إلى هلع عام أدى إلى إجراءات طوارئ غير مسبوقة في كل حكومات العالم ومصارفها المركزية. لم يكن سبب هذا الهلع بالضرورة هذا الانهيار بثلاثة سنتات، ولكن الخوف كان أنه إذا كان إخفاق أوراق التجارة التي يصدرها ليمان برذرز ممكنًا، وكان ثمن الحصة في صندوق الاحتياطي الأساسي أقل من دولار واحد، فلا يمكن الثقة في أي شيء. خسرت كل مسؤوليات البنوك سيولتها، وتجمد النظام المالي. توقف الزمان، ولم يعرف أحد إذا كانت البنوك ستفتح في اليوم التالي.

قام الفدرالي بدوره ملاذًا وحيدًا للإقراض فأطلق سلسلة من الإنقاذات (أو الإنعاشات) المتتالية لتجنب خطر الانهيار المنظومي. تلقّت المجموعة الأمريكية العالمية، عملاق التأمين، خط إنقاذ من الفدرالي في السادس عشر من سبتمبر لأنها كانت قد أمّنت سندات رهن خطرة تخلّفت فجأة. تلقى مجمع صندوق سوق النقد كله ضمانًا من الفدرالي في 19 سبتمبر أن سعر الحصة فيه سيكون مدعومًا لمنع الهلع. تلقى غولدمان ساكس ومورغن ستانلي خطوط نجاتهما في 22 سبتمبر بعد أن سُمح لهما أن يتحولا من بنوك استثمارية إلى شركات قابضة مصرفية، تعطي وصولًا مباشرًا للإقراض من الفدرالي. في الوقت نفسه، كان الفدرالي يزيد قدرة التسييل عند المصارف المركزية الكبرى في أرجاء العالم يوميًّا. كان استسلامًا كاملًا من الفدرالي لتجنب انهيار النظام.

على رغم دعم الفدرالي لكل نوع من النقد يستطيع دعمه، استمر تسييل الأصول المنخفضة واستمر الصعود في هرم الدولار. كانت النية الأصلية لنظام الاحتياطي الفدرالي أن يوفر نقدًا من الطبقة الثانية مرنًا بما يكفي لمقاومة الصدمات في النظام، كهذه الصدمة. في الخامس والعشرين من نوفمبر، لم يكن أمام الاحتياطي الفدرالي خيار سوى إغراق النظام بالاحتياطيات بشراء سندات الخزانة الأمريكية، التي أُصدر كثير منها حديثًا لتمويل العجز الكبير الناتج عن الركود الاقتصادي، ونقص الضرائب، وإنقاذ الشركات. كان هذا التوسيع الكبير لنقد الطبقة الثانية من جهة الفدرالي ردًّا على التقلص في كل أجزاء النظام، إذ كان عليه أن يعالج انهيار السيولة والثقة بين البنوك بتقديم سيولته الموثوقة. سمّى الفدرالي هذا الإجراء التيسير الكمي، ولكن بإمكاننا أن نسميه إنتاج نقد في الطبقة الثانية.

لم تزدد الثقة بين البنوك إلا تراجعًا في السنين التي تلت الأزمة المالية في 2007–2009. بدأت البنوك تسحب تعرّضها للبنوك الأخرى في الربع الأخير من كل سنة، للتجهيز للإجراءات التشريعية في نهاية كل عام. ازداد حدوث الاختلافات بين أسعار الفائدة —كما حدث حين اختلف سعر ليبور عن سعر صندوق الفدرالي وغيره في أغسطس 2007— لا سيما في الأحداث الموسمية كانتهاء كل ربع أو كأيام استحقاق الضرائب. حدثت اضطرابات كبيرة في النظام، وهو ما يعني أن النقد الذي كان يُحتاج إليه في بعض أيام العام لم يكن متوفّرًا عند من يحتاجونه. كانت السيولة في حالة فوضى، بأقل عبارة ممكنة. خفّض الفدرالي سعر النقد واستهدف سعر الفائدة الصفري، ودعم سوق اليورودولار المجهول القيمة، وأنشأ تريليونات الدولارات من الاحتياطيات لدعم النظام المصرفي الأمريكي، ولكن لماذا؟ عندما حاول الفدرالي بعد ذلك أن يتراجع عن إجراءات الطوارئ في السنين التالية، لم يستطع أبدًا أن يرفع أسعار الفائدة فوق 2% إلا مع عودة الهلع فترة وجيزة إلى السوق. عكس الفدرالي سريعًا سياسته بعد أن أصبح عالمًا بهشاشة نظام الدولار. لم تكن العودة إلى أسواق النقد المستقرة ممكنة، إذ أزال الفدرالي عملية اكتشاف السعر من النظام بمنعه كثيرًا من نقود الطبقة الثالثة من إدراك مصيرها المحتوم.

الملاذ الوحيد للإقراض

ككثير من الاختلالات التي جرت في سوق المال في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، أُلقي ذنب أزمة سوق إعادة شراء سندات الخزانة في سبتمبر 2019 على مجيء موعد استحقاق الضرائب من الشركات الأمريكية. كانت سردية وسائل الإعلام المالية: باعت الشركات حصصها في صندوق سوق النقد لتستطيع دفع التزاماتها الضريبية التي بدورها جففت قاعدة الإقراض في سوق إعادة الشراء، ولكن سيولة هذا السوق كانت تعود سريعًا كما في الأيام التالية للأحداث الموسمية الأخرى. في 16 سبتمبر، ازداد هامش الضمان العام لصندوق الفدرالي 0.10%، ولكن لم يرمش لأحد جفن. أصبحت الحركات التي بهذا الحجم أمرًا طبيعيًّا في السنين التي تلت ذلك اليوم في أغسطس 2007، عندما انفصل سعر ليبور عن بقية أسعار الفائدة في سوق النقد.

لكن اليوم التالي، كان عارًا في سوق إعادة شراء السندات. في آخر الصباح، وصل سعر الضمان العام في سوق إعادة الشراء إلى 8% أعلى من صندوق الفدرالي، وهو ما يعني أن بنكًا واحدًا على الأقل يملك سندات الخزانة، لم يستطع أن يجد طرفًا يقرضه مالًا على هذه السندات. استجاب الاحتياطي الفدرالي بعملية تمويل لسوق إعادة شراء سندات الخزانة في اليوم نفسه، ودعم بذلك سوق الإقراض بتغطية سندات الخزانة كله. كان يفترض أن هذه الإجراءات مؤقتة، لأن العوامل الموسمية كانت هي السبب في رأي الفدرالي، ولكن الأمر جرى على غير ذلك. زاد الفدرالي التزامه بتيسير سوق إعادة شراء سندات الخزانة بزيادة استعداده للإقراض بأي كمية مقابل ضمان سندات الخزانة، لكي يضمن أن ما جرى في 17 سبتمبر 2019 لن يحدث مرة أخرى. بعد إنقاذ اليورودولار في ديسمبر 2007، حرر الفدرالي نوعًا آخر من الدولار في سوق إعادة شراء سندات الخزانة وصار طابعه الرسمي إنقاذ أنواع الدولار التي يسوء وضعها. استمر الفدرالي في إيجاد طرق جديدة لإنشاء نقد بالجملة في الطبقة الثانية لمواجهة الاضطرابات.

في الهلع النقدي الذي سببته الجائحة في مارس 2020، أعلن الاحتياطي الفدرالي عن مرافق إقراض جديدة لزيادة دعم سوق إعادة الشراء، وصندوق سوق النقد، و15 بنكًا مركزيًّا أجنبيًّا. لحماية النظام من التسييل الأجنبي لسندات الخزانة، أسس الفدرالي مرفقًا لإقراض المال في سوق إعادة شراء السندات للكيانات الأجنبية المصدقة لئلا تفسد هذه الحكومات والمصارف المركزي سوق سندات الخزانة إذا احتاجت إلى النقد: ستجعل هذه الحكومات سندات الخزانة ضمانًا لتستدين مزيدًا من المال من الفدرالي. على الرغم من ارتفاع أسعار سندات الخزانة في الأيام القليلة التالية لهلع الجائحة، بسبب الطلب غير المحدود الذي نشأ على آمَن أصل في العالم في ظل انهيار أسعار الأسهم وسندات الشركات، فإن سندات الخزانة لم تبق سليمة. خسرت سندات الخزانة طويلة الأجل (10 إلى 30 عامًا) فجأة رهانها على الرغم من أنها تعتبر الأصل الخالي من الخطر، بسبب عموم الفوضى في الأسواق.[17] هلِع أعضاء الفدرالي: كان فساد سوق سندات الخزانة وصفة للخراب. تلا ذلك موجة من شراءات سندات الخزانة وإنشاء الفدرالي للاحتياطيات، جعلت التيسير الكمي الذي جرى في 2008–2010 يبدو كأنه تحمية. اجتمع الفدرالي في نهاية الأسبوع وأعلن برنامج تيسير كمي جديدًا غير محدود لشراءات سندات الخزانة، من دون أي حد أقصى، لكي يهدّئ كل الشكوك بأن الفدرالي سيترك أهم سوق سندات في العالم يشهد اضطرابًا مستمرًّا.

كانت أنواع النقد حول العالم تخسر قدرتها على الاستمرار باستقلال عن الاحتياطي الفدرالي. نعم، لم تخسر سندات الخزانة مكانتها على رأس هرم الدولار النقدي، ولكن الفدرالي استطاع بشيء من النجاح أن يسترد سلطته على قطاعات كانت من قبل خارج سلطته، وكان ذلك غالبًا بسبب تدخل الفدرالي في كل مرة يقترب فيها أي نوع من النقد من الإخفاق. أصبح النظام كلّه معتمدًا على دعم الفدرالي. ولكن على الرغم من الهشاشة التي تعرض لها نظام الدولار في العقد السابق، فإن الدولار لم يزدد إلا ترسّخًا بوصفه نقطة ارتكاز للنظام النقدي العالمي. وقع العالم في شرك التقويم بالدولار، وأصبح يتوق إلى نهضة نقدية. يبدو أن كل أزمة تنحلّ أسرع من سابقتها لأن النظام يزداد هشاشة.

بالرجوع خطوةً إلى الوراء، علينا أن نفهم لماذا ينشئ الفدرالي أصلًا النقد في الطبقة الثانية بشكل الاحتياطيات وإقراض سوق شراء سندات الخزانة، وإقراض مبادلات القطع الأجنبي، وآليات الإنقاذ الأخرى. يفعل الفدرالي هذا لأنه شبكة أمان لنقد الجملة. إذا لم ينشر الفدرالي سربًا من الطائرات فوق المدن الأمريكية ويرمي منها صناديق نقد مفرّق (نقد عين، دولارات)، فلا طريقة أمامه لتقديم النقد للأفراد. إن الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الفدرالي أن يقدم حافزًا نقديًّا هو تقديم النقد بالجملة إلى من يحتاجه أشد الاحتياج في النظام المالي. كان هدف تأسيس الاحتياطي الفدرالي هو تقديم الاحتياطيات، ولا سلطة له اليوم تمكنه من إصدار حافز بالنقد المفرَّق. قد يتغيّر هذا في المستقبل، وسنناقشه في الفصل التاسع.

إن نبوءات زوال الدولار سابقة لأوانها. ولئن كان لهذه النبوءات قيمة رياضية تُرى عند النظر في مقادير المال التي أنشأها الفدرالي، فإنها تفتقر إلى التماسك عند النظر إلى البدائل. لم يزل الدولار إلى اليوم عملة الاحتياطي العالمية بلا نزاع. نصف الفواتير العالمية تقوَّم بالدولار مع أن الاقتصاد الأمريكي لا يشكل إلا 15% من الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من كل الانتقادات القيّمة لإنتاج الاحتياطي الفدرالي للدولار، فإن مكانة الدولار بوصفه تقويمًا للحساب، وطريقة مفضلة للدفع في التجارة العالمية، وعملة لتمويل أسواق رأس المال، سائدة بلا منازع. يستبعَد أن تزول هذه السيادة في السنين القليلة القادمة. لم تزل سندات الخزانة الأمريكية الأصل الوحيد الذي أثبت سيولته وعمقه بما يكفي ليكتسب وصف الأصل الخالي من الخطر. لقد أصبح الدولار متطايرًا جدًّا بطبيعته وأصبحت الطريقة الوحيدة لتخزين الدولار حقًّا هي امتلاك سندات من الخزانة الأمريكية. لذلك تنتقل الدولارات بين طبقتي النقد الثانية والثالثة، أما سندات الخزانة فهي وحدها في الطبقة الأولى في هرم الدولار النقدي. إن عمق وسيولة سوق سندات الخزانة لا يمنعان تخزين رأس المال بتقويم الدولار، بل إن تقويم الدولار هو الأمر الوحيد الذي يحفظ رأس المال بسبب قلة اليقين في امتلاك نقود الطبقة الثالثة التي تصدرها البنوك.

الفصل السابع

نهضة في النقد

بعد 46 يومًا من سقوط ليمان برذرز في 2008، وفي خضم إدراك جماعي لوضع نظام الدولار السيئ، أُرسلت ورقة بيضاء في الوقت المناسب تمامًا إلى مجموعة بريدية صغيرة على الإنترنت اسمها قائمة بريد التشفير (أو التعمية). كُتبت الورقة لأصحاب الاختصاص في التعمية، لا لأصحاب الاختصاص في النقد، لذا لم تكن تعتبر من مجال النقد أصلًا في ذلك الوقت. ولكن الآن، عندما ننظر إلى ذلك اليوم 31 أكتوبر 2008، تاريخ إنشاء البتكوين، لا بد أن نجعله في التاريخ الرسمي للتطور النقدي. لم يكن ذلك التاريخ عظيمًا لأن الورقة اقترحت بديلًا للبنية المالية الحالية فقط، بل وبسبب ما جرى بعد ذلك. يملك البتكوين اليوم على الأقل 1% من سكان العالم، أي نحو 100 مليون نسمة، مع أنه أداة نقدية حديثة.[18] تلقّى صعود البتكوين انتقادات لاذعة من السياسيين والمصرفيين والإعلام، بينما كان عدد مستخدمي البتكوين يزداد ازديادًا متسارعًا، مع قيمته السوقية. إن ظهور البتكوين ونموّه وبقاءه يثبت أن لهذه التقنية النقدية الجديدة رؤية صادقة ومدروسة وجامعة. بدلًا من رفض البتكوين بوصفه عملة غير مقننة ولا مغطّاة، لا بد أن نحاول فهم سبب حصول البتكوين على كل هذا الاهتمام وكل هذه القيمة السوقية. في اثني عشر عامًا فقط، جمع البتكوين نحو 6% من القيمة السوقية الإجمالية للذهب، مع أن الذهب بدأ استخدامه قبل آلاف السنين.

في عالم علم النقد، البتكوين غازٍ أجنبي. لا يشابه البتكوين أي شيء سبقه لأنه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الابتكارات التقنية في نصف القرن الذي سبقه. لقد زحف مجال من مجالات علوم الحاسوب اسمه التشفير التطبيقي إلى النظام المالي وزلزله. لم يزل هذا الغزو يتردد صداه مع كل عام من نمو الاهتمام بالبتكوين. عندما ننظر إلى أصل البتكوين من وجهة النظر النقدية الطبقية، نجد أنه اختراع لنقد من الطبقة الأولى، نشأ من تداخل علم النقد وعلم التشفير. لم يُقبَل هذا التوحّد بين المجالين إلى الآن، بعد 12 عامًا من إنتاج البتكوين، في مجالات النقد. قبل أن نخمّن مستقبل البتكوين، لا بد أن نفهم أصله وتاريخه المبكر وتطوره ليصبح هرمًا نقديًّا قائمًا بذاته.

ساتوشي ناكاموتو والورقة البيضاء

في 31 أكتوبر 2008، نُشرت الورقة التي غيّرت عالم النقد إلى الأبد، وكان كاتبها ساتوشي ناكاموتو. يحيط الغموض والجهالة بشخصية ساتوشي، وكتاباته، أو كتاباتها، أو كتاباتهم. لم يزل المؤسس مجهولًا حتى اليوم، وهو شيء يقوّي حيادية البتكوين، إذ لا وجود لقائد يملك نفوذًا كبيرًا، أو يُمكن إكراهه أو ابتزازه، أو يمكن أن يحاول تغيير قوانين البتكوين. إن أهمية هوية هذا المهندس ضعيفة اليوم، ولكن هذا لا يقلل من غموض المجهوليّة، لقد أرسل ساتوشي آخر رسالة معروفة له في أبريل 2011، ثم اختفى من الإنترنت إلى الأبد.[19] إن أسطورة ساتوشي ستصنع فلمًا دراميًّا ناجحًا يومًا ما، ولكن البرنامج الذي صممه غيّر مفهوم النقد نفسه. أوّل عبارة في ورقة ساتوشي ناكاموتو المعنوَنة «بتكوين: نظام نقد إلكتروني من نظير إلى نظير»:

إن نظام نقد إلكتروني من نظير إلى نظير يتيح الدفع الإلكتروني المباشر من طرف إلى طرف، من دون الحاجة إلى المرور بمؤسسة مالية.

إن وجود نقد ممكن الإرسال على الشبكة من دون مؤسسة مالية يقتضي وجود نوع من التنسيق، ولكن كيف يكون هذا التنسيق، وبأي قوانين؟ الذهب هو النقد الحيادي المقبول الوحيد الذي لا يحتاج إلى مؤسسة مالية. إن أشدّ عناصر تصميم ساتوشي إذهالًا هو نيته لمضاهاة الذهب، من جهة أنه نقد من الطبقة الأولى، خالٍ من خطر التخلف. أي إن معروض هذا النقد لا يُنشَأ من ورقة ميزانية. بُنيت ورقة ساتوشي على لبنات بناء تشفيرية مؤسسة ومقبولة قبولًا واسعًا، وهو ما أعطاها شرعية بين بعض أعضاء قائمة التشفير البريدية.

تعريف البتكوين

تدل كلمة «البتكوين» على شيئين: (1) بروتوكول برنامج البتكوين، و(2) الوحدة النقدية في هذا البرنامج. في هذا الكتاب، سنسمّي الوحدة بالرمز بتك لنفرّقها عن البرنامج نفسه. البتكوين، البروتوكول البرمجي، هو مجموعة من القواعد. يستعمل البروتوكول خوارزمية اسمها خوارزمية الهضم (أو الهاش) الآمن (SHA2)، نشرها أول مرة مجتمع الاستخبارات الأمريكية عام 2001.[20] إن استعمال هذه الخوارزمية آمن جدًّا إلى درجة أن القانون يتطلب استخدامه في بعض مجالات الحكومة التي تتعامل مع معلومات حساسة. يجمع البتكوين إلى هذه الخوارزمية قوانين ذكية مكّنته من تجسيد خصائص الذهب النقدية في العالم الرقمي. الفكرة الأساسية أن التشفير الذي استعمله ساتوشي كان مثبتًا وآمنًا. هذه القوانين العبقرية بنت آلية تنسيق سمّاها ساتوشي «سلسلة من الكتل»، ولكن العالم عرفها باسم سلسلة كتل البتكوين.

علم الحاسوب

قبل الدخول في الابتكارات التقنية الدقيقة في سلسلة كتل البتكوين التي جعلته عملة رقمية ناجحة، لا بد أوّلًا أن نقر أن فهم البتكوين على المستوى التقني يحتاج قدرًا كبيرًا من الخبرة في علوم الحاسوب. لقد كُتبت كُتب عن برنامج البتكوين، مملوءة بالتفاصيل البرمجية التي تشرح كل عناصر البتكوين الكبرى، ومنها المفاتيح والعناوين والمحافظ والحوالات والتعدين. في الفصلين التاليين، سنشرح ونناقش هذه العناصر، ولكن إذا كنت تريد خبرة أكبر في علم التشفير الذي يقوم عليه البتكوين، فابدأ بقراءة كتاب «احتراف البتكوين» الذي كتبه أندرياس أنتونوبولوس. هذا الكتاب مكتوب بطريقة سهلة حتى للذين لا يملكون خلفية قوية في علوم الحاسوب ولكنهم يودّون أن يعرفوا القوانين التي تجعل البتكوين يعمل. أما إذا لم تكن تريد خبرة أكبر، فاعلم أن قوانين البتكوين تجعلها عملة رقمية موثوقة كما أن الناس يثقون بالبريد الإلكتروني لإيصال رسائلهم. قد لا يكون هذا تشبيهًا دقيقًا تمامًا، ولكنه نافع.

تشبيهات نافعة للبتكوين

فلنستكشف أولًا التشبيهات الأساسية الثلاثة للبتكوين: الذهب، والأرض، والبريد الإلكتروني (الإيميل).

البتك ذهب رقمي. إنه نوع من النقد. يثق الناس بالبتك لأنهم يعتقدون أنه نادر وقيّم، كما وثق الناس في الألفيات الماضية بالذهب.  وللبتك سعر في مئات العملات المختلفة، مثل الذهب. والأهم، أنه لا يمكن إنشاؤه بجرّة قلم على ورقة ميزانية في مؤسسة مالية، كما أن الذهب لا يمكن إنشاؤه هكذا. الذهب والبتك كلاهما أصل خالٍ من خطر التخلف. ستسنح لنا الفرصة أن نرسم مقارنات أشمل مع الذهب فيما تبقى من هذا الكتاب.

البتك أرض رقمية. ليس في كوكبنا إلا 57 مليون ميلًا مربّعًا من الأرض. كذلك، لن يكون في العالم إلا 21 مليون بتكة. من حسن الحظ أن هذه الأرض الرقمية قابلة للقسمة إلى أجزاءٍ صغيرة جدًّا.[21] قال مارك توين مرّة، «اشتر أرضًا، فإنهم لا يصنعون مزيدًا منها»، ليشجع على الاستثمار في العقارات، ويمكن التفكير بالبتك بالطريقة نفسها. البتك نادر، كما أن مقدار الأرض في كوكبنا نادر. سنستكشف كيف يحقق البتك الندرة بعد قليل، ولكن مع ارتحال مزيد من الناس من الجنيه الإسترليني والين الياباني والدولار الأمريكي إلى عالم البتكوين، ستزداد صعوبة اقتناء قطع من هذه الأرض الرقمية بالسعر الحالي. يمكننا أن نشبّه صعود سعر البتك بانتزاع الأراضي ونفسّر الصعود المتسارع بقيمته السوقية واعتماده بأنه مشابه لاعتماد الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين. إن سعر قطعة من فطيرة البتكوين ازداد ازديادًا مستمرًّا على المدى الطويل لأن الناس يعاملونه معاملة العقارات. ليس في عالم البتكوين ما يمنعك من الشراء، يمكن لأي إنسان أن يصبح مالكًا فيه. سيزداد ثمن الملكية كلما ازدحم عالم البتكوين، فعندما يفهم الناس نهضة المال التي تحدث الآن، سيصبح خوف الفوات فظيعًا.

أخيرًا، عمل البتكوين شبيه بعمل البريد الإلكتروني. قد لا تفهم علم الحاسوب الكامن وراءه، ولكن عملية الإرسال والاستقبال سهلة ومعلومة. يمكن مشاركة عناوين البريد مع أي أحد، ولكن لا يستطيع قراءة الرسائل إلا حامل كلمة السر. يعمل البتكوين بطريقة مشابهة. يمكنك أن تشارك عنوانًا لك مع أي أحد يريد أن يرسل إليك، ولكنك لا تستطيع استهلاك ما أُرسل إليك إلا إذا كنت حاملًا لكلمة السر، المسماة المفتاح الخاص. الإيميل بروتوكول لإرسال واستقبال البيانات، اسمه الرسمي بروتوكول تناقل البريد البسيط (SMTP). البتكوين بروتوكول أيضًا، ولكنه لتناقل القيمة لا لتناقل البيانات.

سلسلة الكتل والتعدين

ما الذي يجعل البتكوين مضاهيًا للذهب، أثبَت أصل نقدي في تاريخ الحضارة البشرية؟ يكمن الجواب في قواعد بروتوكول البتكوين.

سلسلة كتل البتكوين هي سجلّ من المناقلات محفوظة في كل أقران الشبكة. لكي نعرّف السلسلة والكتلة، فلنتعمّق أولًا في كلمة قرين. في البتكوين، يمكن لأي أحد أن يكون قرينًا (أو نظيرًا) في الشبكة إذا شغّل عقدة بتكوين، والعقدة هي آلة يعمل فيها برنامج البتكوين. الذين يشغّلون عقدة بتكوين هم الوحيدون الذين يستعملون البروتوكول من دون ثقة بأحد، أي إنهم لا يعتمدون على شيء سوى البرنامج لتحقيق تسوية مناقلات البتك (من دون ثقة بأحد، أي «على نحو خال من خطر التخلف»). لا يفوّض أصحاب العقد أي بنك أو منصة أو شركة برمجيات. سحر البتكوين هو أن كل فرد في العالم يمكن أن يصبح قرينًا ويشغّل البرنامج الذي يتيح له المشاركة في شبكة مالية عالمية. يعتمد معظم الناس على نوع من الخدمات ليتعامل مع البتكوين، مثل تطبيقات الهواتف الذكية والمحافظ والمنصات للاتّجار والحيازة. المحافظ والمنصات مثل البنوك في عالم البتكوين، فكما أن الناس يعتمدون على البنوك للتعامل مع دولاراتهم أو عملاتهم المحلية، كذلك يعتمد الناس على شركات المحافظ والمنصات للتعامل مع بتكاتهم. ولكنهم لا يحتاجون إلى هذه الأطراف الثالثة، وهذه هي الخصيصة التي تجعل البتكوين قويًّا جدًّا. كل من عنده حاسوب ووصول إلى الإنترنت يستطيع أن يتناقل القيمة حول العالم من دون الاعتماد على أي شركة أو حكومة أو مؤسسة. ينبغي أن يشغّل عقد البتكوين من كانت خبراته عالية فقط، ومن أجل ذلك يثق الناس بشركات القطاع الخاص في هذه المسألة.

الآن يمكننا تعريف الكتلة. الكتلة هي مجموعة من البيانات تحوي تفاصيل مناقلات غير مسوّاة في البتكوين. يمكن تشبيه هذه المناقلات بأنها رسائل بريد إلكتروني أُرسلت ولم تصل بعد، فهي موجودة في الفضاء الرقمي فقط. تُسلسَل الكتل واحدة بعد أخرى، وتؤكّد المناقلات عندما تعدَّن الكتلة التي تحويها. ولكن ما هو التعدين بالضبط؟

كما أن معدّني الذهب يستهلكون طاقة ليستخرجوا الذهب من الأرض، كذلك معدّنو البتكوين، هم أقران يتنافسون على المعروض المستحدث من البتك، إذ يستهلكون طاقة تكافئهم بعد ذلك بوحدات من العملة في عالم البتكوين. يكافأ المعدّنون بالبتك المستحدث عندما يجدون رقمًا عشوائيًّا، الأمر أشبه بورقة يا نصيب حوسبيّة. لكي يجدوا هذا الرقم، يجري المعدنون آلاف الحوسبات كل ثانية. وبذلك يكون تعدين البتكوين لعبة أرقام عشوائية ضخمة، لا يستطيع المنافسة فيها إلا أسرع الحواسيب وأقواها، لأنها لعبة تعطي قيمة للتخمين الحوسبي. في أيام شبكة البتكوين المبكرة، كان يمكن تعدين البتك من أي حاسوب عادي. أما اليوم، فلا بد من استعمال حواسيب فائقة شديدة الفعالية تسمى الدارات المتكاملة المخصصة التطبيق لتعدين البتك بنجاح. لا حاجة إلى الخبرة التقنية عمليًّا، تكفي الكهرباء والدارات المتكاملة والبرنامج ليستطيع المرء المشاركة في عملية استحداث معروض البتك. دافع المعدنين ماليّ، فهم يكافؤون بالبتك لقاء خدماتهم، ليحافظوا عليه بعد ذلك أو يبيعوه بعملتهم المحلية. يساعد المعدنون شبكة البتكوين على زيادة أمنها لأنهم يكرّسون أمواجًا هائلة من الطاقة والقوة الحوسبية لإضافة كتل جديدة إلى السلسلة. هذا الموجات تسمّى بقوة الهاش، وكلمة «هاش» آتية من اسم الخوارزمية التشفيرية المستعملة في برنامج البتكوين للتشفير. يسمّى تعدين البتكوين أيضًا إجراء إثبات العمل، الذي ابتُكر قبل البتكوين عام 2002، على يد عالم التشفير آدم باك، الحائز على شهادة دكتوراه في علوم الحاسوب من جامعة إكستر. يقتبس ساتوشي ناكاموتو من باك في الورقة البيضاء ويقيم كثيرًا من مصداقية البتكوين الأصلية على استعمال إثبات العمل، الذي كان تقنية مثبتة في عام 2008. إثبات العمل مكافئ للتنقيب عن الذهب، كما جاء في ورقة البتكوين البيضاء:

إن الإضافة المستمرة لمقدار ثابت من العملات الجديدة مشابه لاستهلاك معدني الذهب مواردهم لإضافة مزيد من الذهب إلى السوق.

وهذا ليس مجرد تشبيه. كان ساتوشي ناكاموتو دقيقًا جدًّا في تصميم البتكوين، وكان مقصودًا بالتصميم أن يضاهي الذهب، لأن الذهب كان تاريخيًّا أمتَن أنواع النقد الخالي من خطر التخلف. إيجاد الذهب ليس رخيصًا ولا سهلًا، وكذلك إيجاد البتك. عندما يعدّن معدّن كتلة ويجني مقدارًا من البتك نتيجة ذلك، تصبح الكتلة تحديثًا جديدًا لسجل مناقلات البتكوين المشترك، لكي يكون كل قرين في الشبكة مطلعًا على آخر حالة لعناوين البتكوين والمقادير المرتبطة بها من البتك. تُسلسَل الكتل واحدة بعد أخرى في هذه العملية لتنشئ سجلًّا محاسبيًّا، هو سلسلة كتل البتكوين، التي تشهد عليها كل العقد. إن مصطلح البلوكتشين (سلسلة الكتل) اكتسب شعبية كبيرة، ولكن مصطلح تقنية السجلات الموزّعة طريقة أبسط لوصف بنية الشبكة التي يحافظ فيها كل الأقران على سجل واحد من المناقلات. من أجل هذا السبب، تستعمل أقسام الأبحاث في المصارف المركزية مصطلح تقنية السجلات الموزعة، لوصف البرامج التي تشابه تصميم السجل الموزع في البتكوين.

كم يجني معدّن البتكوين من البتك عندما يعدّن كتلة، ومن يحدد معروض البتك؟ العنصر التالي في تصميم ساتوشي الدقيق هو سياسة البتكوين النقدية، أي قوانين محدودية معروض البتك واستحداثه. سياسة البتكوين النقدية هي خوارزمية برمجها ساتوشي عام 2008 ليحدد جدول الإصدار الدقيق إلى الأبد، وليست سياسة يضعها أفراد في غرفة من غرف المصرف المركزي. قوانين الإصدار متسقة وذكية وعادلة. كانت عادلة في رأي أول المشاركين في الشبكة. في أوّل 210 آلاف كتلة (أو تقريبًا أول 4 سنوات) من وجود البتكوين، أُعطي معدّن كل كتلة جديدة 50 بتكة لكل كتلة عدّنها. في الفترة التي لحقتها، أصبحت المكافأة 25 بتكة. ومع مرور كل 210 آلاف كتلة، تنصَّف المكافأة مرة أخرى. كل واحدة من هذه الحِقَب، أو الفترات تستكمل مرحلة من جدول إصدار البتكوين، وتظهر كيف أن سياسة البتكوين النقدية ثابتة، غير قابلة للنقاش في غرف المصارف المركزية ومؤتمراتها الصحفية. البتكوين حاليًّا في المرحلة الرابعة، ومكافأة التعدين هي 6.25 بتك لكل كتلة، وقيمتها 200 ألف دولار بسعر اليوم. رسم ساتوشي جدول المعروض إلى آخر مكافأة ستعطى، وهو ما سيحدث بعد أكثر من قرن من الآن، في عام 2140. لمَ اختار ساتوشي رقم 21 مليونًا سقفًا لمعروض البتك، أو لمَ اختار أن تكون فترة التنصيف 210 ألف كتلة؟ سيبقى هذا على الراجح لغزًا، لكن شيئًا ما في الدقة الرياضية لهذا التصميم جذب مزيدًا من الناس. هذه الندرة الدقيقة المحددة منذ بدء البتكوين ليست بالضرورة عملًا رائعًا. الرائع هو أن كل مشارك في الشبكة أجمع عليها وعلى جدول الإصدار المرتبط بها وهو ما شكّل إجماعًا حقيقيًّا على البتكوين. استمرّت ندرة البتكوين والقوانين التي تحميها، بل وترسّخت سريعًا لتصبح منقوشة في الحجر.

يفرض بروتوكول البتكوين أن تعدَّن كل كتلة بفارق 10 دقائق وسطيًّا عن سابقتها، ولكن الوقت الفعلي بين الكتل قد يكون ثواني أو ساعات، حسب الوقت الذي يستغرفه المعدن في إيجاد ورقة اليانصيب الرابحة. صمم ساتوشي خوارزمية تعدّل صعوبة اليانصيب الحوسبي هذا كل أسبوعين لتضمن أن يكون الفارق الوسطي بين الكتل 10 دقائق، سُمّيت هذه الخوارزمية تعديل الصعوبة، وهي تعمل مثل الساعة منذ ابتداء وجود البتكوين. ليس لقرين مفرد أي سلطة على تعديل الصعوبة المؤتمت. يعتبر مستخدمو البتكوين ومطوروه أن خوارزمية تعديل الصعوبة غير قابلة للنقاش أو التعديل أو المس، لأنها واحدة من خصائص البتكوين التي تجعله حياديًّا ومنيعًا على التحكم المركزي. إذا اقتنى معدّن من المعدنين دارات تعدين فائقة، فقد يحصل على مقدار كبير جدًّا من مكافآت الكتل، ولكن البتكوين في النهاية يحمي نفسه من هذه التطورات في قوى المعالجات الحاسوبية بإضعاف هذه المزيّات. إن الزيادات النظامية في صعوبة التعدين من أهم آليات الأمان في البتكوين، إذ تمنع أسرع حواسيب اليوم من الحصول على مكافآت الكتل، وتدفع المصنّعين إلى إنتاج دارات أقوى للحوسبة. لقد أصبحت القوانين المحيطة بمعروض البتكوين آمنة من العبث، عصيّة على الإفساد، لقد أصبحت نظامًا ذهبيًّا جديدًا للندرة النقدية. إن نتيجة قوانين البتكوين الفريدة والذكيّة هي نوع جديد من النقد. ببرنامج مجاني، وبدقّة عالية، يستطيع المرء حساب ندرة ما يملكه من البتك في أي لحظة.

الإرسال والاستقبال

آخر العناصر التقنية اللازمة لفهم البتكوين هي العلاقة بين المفاتيح والعناوين وكيف يتناقل الأقران البتك. تولَّد العناوين التي تستعمل لاستقبال البتك، من أرقام تسمّى المفاتيح الخاصّة. أي إن امتلاك البتك هو مجرد امتلاك لرقم. المفاتيح الخاصة هي سلاسل محرفية ثنائية من 256 محرفًا، مثل هذا:

1101101001000110101101010101100110010010000110110011111010010101010110111011000110010010010111001001011001001010110001011100001110110011110101110010111111111101101111110011011101000111011010100001011001001011000011100111001110010110000000100111101101100101
1

يمكن تخزين هذه الأرقام في تطبيقات على الهواتف الذكية تسمى محافظ، أو في أجهزة تخزين مخصصة تسمى محافظ عتادية، كما يمكن كتابتها على ورقة، أو بأي طريقة يمكنك فيها أن تحفظ رقمًا. يمكن للمفاتيح الخاصة أن تولّد عنوانًا يستعمل لاستقبال البتك، ولكن العناوين لا يمكن أن تستعمل لاستكشاف المفتاح الخاص وراءها، بفضل تقنية تشفير SHA2. مثال عن عناوين البتكوين:

32bp4f8zjbA8Bzm3TiAq5jav3DsU4LPSQR

هذه هي: المفاتيح الخاصة (للإرسال) والعناوين (للاستقبال). يمكن إرسال البتك في الشبكة بعد تعدينه من دون أي طرف ثالث يصدّق المناقلة أو يمنعها. يمكن لأي قرين في الشبكة أن يرسل ويستقبل ويراقب المناقلات، ولكن لا يستطيع أحد أن يمنعها. اعلم أن استخدام محفظة على الهاتف الذكي لا يحتاج إلى تشغيل عقدة كاملة لتناقل البتك، إذ تتيح المحافظ للمستخدمين أن يحافظوا على مفاتيحهم الخاصة ويعتمدوا بعد ذلك على عقدة أخرى لتمرير المناقلات إلى الشبكة.

تقويم جديد

في العالم الرقمي، تيسّر برمجية البتكوين وتسوّي كل المناقلات بتقويمها الخاص. الأمر أشبه بالبنك المركزي من جهة التسوية، ولكنه ليس مركزيًّا، فالبرمجية موجودة في كل عقدة في أرجاء العالم. ابتكار البتكوين أسس تقويمًا جديدًا وبنية تحتية للدفع، لا يتحكم بهما أي أحد. كان الدفع الرقمي مشهورًا جدًّا في 2009 مع اتساع انتشار استعمال بطاقات الائتمان للدفع الإلكتروني، والبايبال، وتطبيقات الدفع في الهواتف الذكية التي تتناقل ودائع الطبقة الثالثة بين البنوك. ولكن قبل البتكوين، لم يستطع أحد أن يضاهي النقد والتسوية النهائية في طبقة النقد الأولى من دون وجود كيان مركزي. أصبح البتكوين قوة يحسب حسابها منذ بدايات وجوده، لأنه عملة الإنترنت المحلية، ونظام مدفوعاته، وذهبه الرقمي. لقد كان البتكوين أهم ابتكار نقدي منذ سك الذهب قبل ثلاثة آلاف عام: نادر، ويقيني بالرياضيات، ومجاني ومفتوح للاستعمال، ومنيع من الطمع.

لا بد أن يتنبّه صناع السياسات حول العالم إلى معنى نشوء تقويم نقدي جديد. تباهي الولايات المتحدة الأمريكية خصوصًا بأنها تتيح حرية التعبير، لذا ينبغي أن تكون معاملتها لهذه التقنية النقدية الجديدة موافقة لهذا المبدأ. البتكوين نوع من التعبير: يجب أن يتاح للناس أن يرسلوا رسالة (مناقلة بتك) كما أن لهم أن يرسلوا بريدًا إلكترونيًّا. البتكوين برنامج رقمي، وكل محاولة لحظر استعمال البتكوين أو تقييده هي في الحقيقة حظر وتقييد للرياضيات نفسها. لقد أقرّ النظام القضائي في الولايات المتحدة أن استعمال التشفير ضروري لحماية حرية التعبير في العصر الرقمي، يجب أن تطبق هذه الأفكار نفسها على البتكوين في كل زاوية من العالم تدعي أنها تحمي حرية مواطنيها. هذا قرار من محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة، صدر عام 1999، من الجلسة التاسعة (برنستين ضد الولايات المتحدة)، يؤكد أن التشفير مثل الرياضيات تعبير عن أفكار علمية ومن ثم فهو نوع من التعبير:

يستعمل المشفرون نصًّا برمجيًّا للتعبير عن الأفكار العلمية كما أن الرياضيين يستعملون المعادلات والاقتصاديين يستعملون المخططات. نعم، تستعمل المعادلات والمخططات في مجالات أخرى لأهداف كثيرة، ليست كلها للتعبير. ولكن الرياضيين والاقتصاديين اعتمدوا وسائل التعبير هذه لتسهيل التعبير الدقيق عن الأفكار العلمية المعقدة. كذلك، تدل سجلاتنا التي لا نزاع فيها هنا أن المشفرين يستعملون النصوص البرمجية بالطريقة نفسها. بالنظر إلى هذه الاعتبارات، نستنتج أن برامج التشفير، بنصوصها البرمجية وتطبيقاتها في مجالات علوم التشفير، يجب أن تعتبر تعبيرًا ينطوي تحت أهداف التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة الأمريكية.

شراء القهوة بالبتكوين

إن عملية تسوية المناقلات في الوقت نفسه متسقة وعشوائية. فلننظر في مثال شخص يريد استعمال البتك لشراء شيء. تدخل امرأة إلى مقهى لتشتري كوب قهوة. يقبل المقهى الدفع بالبتك ويتطلب دفع 15 ألف ساتوشية (0.00015 بتك أو 5 دولارات تقريبًا). تدفع المرأة بالبتكوين من هاتفها، ولكن الحوالة غير مؤكّدة تقنيًّا حتى يعدّنها أحد المعدّنين. هل ستنتظر المرأة عشر دقائق حتى تؤكد الحوالة وتأخذ القهوة؟ ماذا إذا لم تعدّن الكتلة التالية حتى ساعة؟ أمام المقهى خياران. إما أن يقبل الحوالة وهي غير مؤكدة، ولكنه لن يستطيع الثقة بما وصله حتى تعدين الكتلة التالية (فالسجل المشترك لم يتضمن شراء القهوة بعد). وإما أن يصر على أن تضاف المناقلة إلى سلسلة الكتل قبل إعطاء المرأة كوب القهوة. هذا توقع غير واقعي أدّى إلى نقد واسع مضلَّل للبتكوين: الشبكة بطيئة جدًّا ولا يمكن أن تكون وسيلة للتجارة. في الحقيقة، مناقلات البتكوين في الطبقة الأولى غير مصممة للتجارة الفورية، بل هي مصممة على نحو تبقى فيه شبكة الأقران العالمية في اتفاق دائم على حالة السجل المشترك. مع هذا، أبى البتكوين وصفَه بالشبكة البطيئة بعد سنين من نشوء شبكة البرق، التي سنناقشها في الفصل التالي.

إذا لم يكن البتكوين مستعملًا لشراء القهوة، فلأي شيء يستعمل إذن؟ أهم استعمال للبتكوين هو استعمال الأفراد الذين يفضّلون طريقة حيادية خالية من خطر التخلف لتخزين المال. هاك مثالًا عن فردٍ مكّنته تقنية البتكوين. تخيل امرأة شابة في نيجيريا. تخيل أنها تعيش في قرية ريفية وأنها مصممة غرافية موهوبة. إذا استطاعت هذه المرأة أن تجد عملًا لنفسها على الإنترنت، ستستطيع أن تجني مالًا لأسرتها. ولكن كيف يمكن لهذه الشابة أن تستعمل وسائل الدفع التقليدية لاستلام المال؟ لا تستطيع هذه الشابة الوصول إلى البنوك ولا تستطيع استلام النقد بالبريد. في الحقيقة، البتكوين أفضل خياراتها. باستعمال محفظة هاتفية، تستطيع إنشاء عنوان بتك لنفسها، وإرساله إلى عميلها في زيوريخ، واستقبال الدفع به. لا يهمها أن الحوالة تأخذ 10 دقائق لتتأكد، فلولا البتكوين لم تكن لتستطيع اكتساب المال أصلًا. بهذا المثال، نرى كيف أن البتكوين تقنية ممكّنة للناس. يشتري أهل الولايات المتحدة وأوروبا البتك لأهداف المضاربة غالبا، ولكن شراءهم هذا قد يكون محفّزًا لاعتماد عالمي بدعم القيمة السوقية المتزايدة في البتكوين، أما أهل أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط، الذين لا يستطيعون الاعتماد على عملاتهم ولا على بنوكهم، فهم محتاجون إلى عملة رقمية حيادية مثل البتكوين.

نيّة ساتوشي

ما الذي كان ساتوشي ناكاموتو يريد تحقيقه في البتكوين؟ لمعرفة هذا، لا بد أن نقرأ كتاباتها ورسائله الأولى في أول أيام شبكة البتكوين. كان ساتوشي تائقًا إلى تقديم بديل للمؤسسات المالية، بل وللعملات المتعرضة للبخس من جهة الحكومات والمصارف المركزية، وهو هدف بيّن في رسائله الأولى ومنشوراته في المنتدى. في الثالث من يناير 2009، احتوت أول كتلة عدّنها ساتوشي نفسه رسالة مضمنة بدلًا من المناقلات (إذ لم تكن هناك مناقلات في ذلك الوقت بعد):

ذا تايمز 03/يناير/2009 المستشار على وشك إنعاش ثانٍ للبنوك

وضع ساتوشي عنوانا من صحيفة بريطانية عن أزمة مالية قائمة في سجل البتكوين الدائم. بتضمينه هذه الرسالة، كان يرى أن نظامه الذي ابتكره للنقد والمناقلات كان تطورًا ضروريًّا وحلًّا ممكنًا للنظام المصرفي العالمي الذي لطالما احتاج إلى إنعاش الحكومات.

بعد أن عملت شبكة البتكوين عدة أسابيع، قدّم ساتوشي مزيدًا من التفصيل عن أهدافه من المشروع، وأظهر وعيًا كبيرًا بقلة الاستقرار في أنظمة النقد الائتمانية والطبقات الدنيا ذات الاحتياطي الجزئي في هرم النقد:

«إن المشكلة الأساسية في العملات المتعارفة هي الثقة الكبيرة اللازمة لتعمل. لا بد من الثقة بالمصرف المركزي ألّا يبخس العملة، ولكن تاريخ العملات الحكومية مليء باختراقات هذه الثقة. لا بد من الثقة بالبنوك أن تمسك أموالنا وأن تنقلها إلكترونيًّا، ولكنها تقرض هذه الأموال في أمواج من فقاعات الائتمان التي لا يغطيها إلا جزء من الاحتياطي.[22]

أظهر ساتوشي ناكاموتو آماله في البتك أن يكون تقويمًا خاصًّا، لا مجرّد شبكة للدفع. ذكر ساتوشي العملات الحكومية في إشارة إلى العملات التي تصدرها المصارف المركزية في الطبقة الثانية من النقد، بغض النظر عن الموجود في الطبقة الأولى. دلّ نقد ساتوشي للعملات الحكومية على علمه بالاضطرابات في أنظمتنا النقدية الطبقية ذات الاحتياطيات الجزئية. عندما ننظر الآن إلى هذا النقد، يبدو لنا أنه هو الدافع الذي دفعه إلى إنشاء البتكوين. لعل أن هذا المخترع أراد أن يقدّم للعالم نقدًا من الطبقة الأولى لا تنشئه جرّة قلم في مصرف مركزي.

رؤًى في طبقات البتكوين

أول مناصري برنامج البتكوين بعد ساتوشي ناكاموتو هو عالم التشفير هال فيني. قبل تأسيس البتكوين والبناء على الأرضية التي وضعها آدم باك، عزز هال فيني إثبات العمل بتصميمه نظام إثبات عمل قابل لإعادة الاستعمال استعمله ناكاموتو في تصميم البرنامج، أي إن مشاركة فيني في البتكوين سبقت حتى استخدامه له. كان فيني أول أنصار ساتوشي وأشدهم حماسة. تلقّى فيني أول مناقلة بتكوين، عندما أرسل إليه ساتوشي 10 بتك في 12 يناير 2009. كان عمر البتكوين 9 أيام، ولم يكن للبتك أي سعر أو قيمة سوقية في ذلك الوقت.

في عام 2010، قدّم فيني شرحًا رائعًا عن التطور الممكن للنقد الطبقي في البتكوين، في تنبّؤ سابق لزمانه. يبدو كلامه كأنه مكتوب خصّيصى لهذا الكتاب:

في الواقع، إن لوجود البنوك المغطّاة بالبتكوين أسبابًا قويّة، إذ تصدر عملتها النقدية الخاصّة، وتكون قابلة للتبديل بالبتكوين. إن شبكة البتكوين نفسها لا تستطيع أن تتوسع لتبث كل مناقلة مالية في العالم وتخزّنها في سلسلة الكتل. لا بد من وجود مستوى ثانوي من أنظمة الدفع، يكون أخفّ وزنًا وأكثر فعالية. كذلك فإن الوقت المستغرق لتسوية المناقلات في البتكوين غير عملي للشراءات المتوسّطة القيمة. ستحلّ البنوك المغطّاة بالبتكوين هذه المشكلات. يمكن لهذه البنوك أن تعمل كما كانت البنوك تعمل قبل تأميم العملة. كانت السياسات المصرفية تختلف بين البنوك، فبعضها أشدّ عنفًا وبعضها أشدّ محافظةً. بعضها جزئيّ الاحتياطي وبعضها مغطًّى بالبتكوين تمامًا. وقد تتنوع معدلات الفائدة. وقد يُتاجر بنقد أحد البنوك بسعر محسوم أمام نقد بنك آخر. أعتقد أن هذا هو قدر البتكوين الأخير، أن يكون «النقد عالي الطاقة» الذي يكون عملة احتياطية للبنوك التي تصدر نقودها الخاصة.[23]

فلنلخّص ما يحاول فيني قوله في إطار نظريتنا عن طبقات النقد. البتك نقد من الطبقة الأولى، بطيء الانتقال نسبيًّا. في كل كتلة (عشر دقائق) تؤكّد بضعة آلاف من المناقلات. للمقارنة، تعالج شركات بطاقات الائتمان الكبرى آلاف المناقلات كل ثانية. من أجل زيادة سرعة البتكوين، ستحتاج البنوك إلى امتلاك البتك بوصفه نقدًا من الطبقة الأولى، وأن تصدر بعد ذلك ودائع في الطبقة الثانية يكون انتقالها أسرع مما تتيحه سلسلة الكتل غير المنتظمة. يتيح البتكوين في الطبقة الثانية النشاط الاقتصادي من دون صعوبات. سنرى كيانات تعتمد الاحتياطي الجزئي، وتصدر المسؤوليات، وسيعطي السوق كل نوع من البتك في الطبقة الثانية معدّل فائدة يناسبه. كان فيني في توقّعه هذا سابقًا لتطور البتكوين بسنين، سيثبت الزمن أن هذا التوقع كان من أدق التوقعات وأبصرها وأبكرها في هذا الشأن. يعيد البتكوين تعريف النقد، وسيحتل قمّة في هرم نقدي مستقلّ تمامًا. توفّي هول فيني عام 2014، ولكن إلهامه المبكر بأن البتكوين قد يصبح عملة الاحتياطي العالمية سيبقى صداه إلى الأبد.

الفصل الثامن

طبقات البتكوين

لا يضرّ أن يحتفظ المرء ببعض البتكوينات فقد تفيده في حال ازداد سعرها. إذا فكر عدد كاف من الناس بالطريقة نفسها، يصبح الأمر نبوءة محققة لنفسها.

  • ساتوشي ناكاموتو (16 يناير 2009)

لقد أصبح البتكوين هرمًا نقديًّا قائمًا بنفسه لما امتلكه من خصائص نقد الطبقة الأولى. يذكّرنا هذا الهرم بالأهرام التي اعتمدت على الذهب في الماضي، ولكن البتك لا يأخذ قيمته نقدًا ومكانته في الطبقة الأولى من التشبيهات والمقارنات، بل إن ساتوشي عند تصميمه أراد أن يضاهي المعادن الثمينة لكي يجذب الطلب. إن الزيادة المتسارعة في القيمة السوقية للبتكوين تؤكّد أطروحة مناصريه الأوائل مثل هال فيني. سينشأ البتك في الطبقة الثانية للأسباب نفسها التي جعلت الذهب ينشأ في الطبقة الثانية. يريد الناس أن يحملوا صكوكًا بالبتك كما كانوا يريدون أن يحملوا صكوكًا بالذهب. إن العالم الناشئ للأصول الرقمية مرتبط بالبتك كما أن النظام النقدي العالمي كان مرتبطًا بالذهب، كما شرحنا في الفصول الخمسة الأولى من هذا الكتاب. البتك نقد حيادي، خالٍ من خطر التخلف مشابه للذهب، يثق به الناس وسيلةً للتسوية النهائية. سيكون هذا الفصل عن طبقات النظام النقدي المقوّم بالبتك، وسيفصّل سيادة البتك على عالم الأصول الرقمية كله.

الملك المادّي

يستعمل الذين يتوقون إلى امتلاك نقد الطبقة الأولى عبارة «الملك المادّي» لوصف امتلاك المعادن النفيسة بشكلها المادي، بدلًا من شهادات الذهب أو الحصص في الشركات، أو أي صك آخر لدفع الذهب. هؤلاء الناس واعون بالفرق بين الذهب في الطبقة الأولى والذهب في الطبقة الثانية، ولذلك يختارون امتلاك السكوك المادية والسبائك ويرفضون بدائل الذهب. والأمر كلّه مداره على الثقة: هم يثقون بالمادّي لأن المادّي يعني الخالي من خطر التخلّف. يتصف البتكوين بالحيادية العالمية التي يتصف بها الذهب، إذ لا يعتمد على أي فئة من الناس أو الشركات أو الحكومات في بقائه. ولكن البتكوين له ما يفضّله عن الذهب في العصر الحديث. إنه موجود على الحواسيب في أي مكان وفي كل مكان. ولا يحتاج نقله بين أرجاء العالم إلى دبابات مدرّعة ولا سفن حربية ولا طائرات. ولا يتطلب اختبارات النقاء التي تستعمل أدوات مكلفة، كلّ ما تحتاجه هو عقدة بتكوين.

هرم البتكوين مرتكز على الملك المادي للبتك، الذي يبدأ بإدارة المفاتيح الخاصة. كما أن ملك الذهب المادي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الخزائن وتقنيات الأمان، فإن مفاتيح البتكوين تتطلب دقّة في الأمان لتجنب الخسارة والسرقة. إن التخزين الآمن والمنقطع الاتصال للبتك يسمّى التخزين البارد، أي إن المفاتيح الخاصة لا تولَّد ولا تخزَّن على الإنترنت في محافظ ساخنة.

المخازن الباردة صناعة مزدهرة صاعدة. أطلقت فيديليتي للاستثمارات، وهي واحدة من أكبر المؤسسات المالية في العالم، تدير أكثر من 3 تريليونات دولار من الأصول، أطلقت شركة تابعة لها متخصصة بالتخزين البارد عام 2018، باسم فيديليتي ديجيتال أستس، لتخزن البتك بالنيابة عن عملائها. البتكوين لا يكتفي بإدماج علم النقد وعلم التشفير، بل هو يدمج أيضًا أسواق المال بصناعات التشفير التطبيقي.

لا بد أن نذكر هنا أن دخول بنوك الإيداع إلى سوق البتك يعني أن عملاء هذه البنوك لا يملكون بتكًا في الطبقة الأولى. سيملك العملاء بتكًا من الطبقة الثانية لأنهم لا يملكون المفاتيح الخاصة، بل يملكها بنك الإيداع. كما يقول المثل: «ليست مفاتيحك، ليست بتكويناتك». وبالطبع، هذه البنوك خاضعة لقوانين الحكومات وتشريعاتها. أثبتت بعض الحكومات قبولها للبتكوين بوصفه تقنية نقدية جديدة، ولكن هذا الموقف ليس موحّدًا في أرجاء العالم، لأن البتكوين قادر على أن يحل محل عملات الحكومات المضطربة.

البتك\الدولار

نرى اليوم سلسلة واسعة من أنواع النقد البتكي في الطبقة الثانية. بعض الأدوات تشبه الترتيبات المالية الموجودة في النظام المالي التقليدي اليوم، مثل الودائع. وبعضها مستحدَث لم يكن ممكنًا قبل البتكوين. أول مثال عن البتك في الطبقة الثانية هو الودائع التي تصدرها منصّات المتاجرة في ثنائية البتك\الدولار، كما يظهر في الشكل 14.

الشكل 14

في عام 2010، تشكّلت أول منصّات متاجرة البتكوين لتسهيل المتاجرة بين البتك والدولار الأمريكي. أظهرت هذه المنصّات أمرًا مهمًّا جدًّا عن البتكوين: وجود سوق بين المريدين للمتاجرة بالبتك والدولار. صُمّم البتكوين ليكون عملة، واستُعمل بوصفه عملة منذ أن مرّت سنة على تأسيسه. من الانتقادات الشائعة للبتكوين أنه لا يمكن استخدامه لشراء السلع أو الخدمات لأن معظم الشركات لا تقبل البتك وسيلة للدفع. يغفل أصحاب هذا الاعتراض عن أن البتك يمكن استخدامه لشراء أهم سلعة في العالم: النقد. في المنصّات اليوم، يمكن شراء الدولار واليورو وكل العملات الكبرى بالبتك.

ظهر معدّل الصرافة بين البتك والدولار في عام 2010، وعزّز سيولة البتك ودلّ على أنه نوع جديد بديل من النقد. كانت ميزانيات العملاء في منصّات البتكوين أول شكل من البتك في الطبقة الثانية، كانت هذه الميزانيات صكوكًا بالبتك ولكنها ليست ملكًا للمفاتيح الخاصّة نفسها. بنت بعض المنصات سمعات رائعة إذ أتاحت السحب المباشر للبتك عند الطلب، واحتفظت باحتياطيات كاملة تغطّي كل الودائع فيها. وأما بعضها الآخر فتخلّف عن سداد ميزانيات العملاء كما تخلفت البنوك عن سداد الميزانيات على مر القرون، سواء بسبب الهجومات الرقمية، أو السرقة، أو الاحتياطيات الجزئية. وعلى الرغم من هذه الإخفاقات المبكرة، تطورت الثقة بمنصات البتكوين بوصفها حجر أساس في أحجية البتكوين النقدية، ولم تلبث القيمة الوقتية للبتك أن قدّمت نفسها: صار في إمكان أصحاب الودائع أن يقرضوا أصولهم لتجار آخرين بمعدل فائدة.

الشرعية

لم يكتسب البتكوين شرعيته عملةً عالميّة جديدة إلا بعد مرور نصف عقد على إنشائه. نعم، لم يكن البتكوين حبيب الحكومات ولا القطاع المالي، لما له من طبيعة مدمرة ولامركزية، ولكنه اكتسب من القيمة السوقية واهتمام المستثمرين والأوصاف القانونية ما يكفي لإدخاله في النقاشات العامة. في عام 2014، أصبح البتكوين قوة جيوسياسية. مع ازدهار الشبكة، جذبت مزيدًا من القيمة والدراسات والاستثمارات، وهو ما زاد من قيمتها. في هذه الفترة، بدأ روّاد الأعمال يبنون بنى تحتية وأعمالًا حول البتكوين لأنه أصبح مقبولًا في العالم بوصفه نقدًا رقميًّا لا يقبل التزوير. تشهد الأحداث في تاريخ البتكوين المبكر سعي هذه العملة لتصبح قوة طبيعية ذات مكان راسخ في عالم العملات.

في العام الأول، لم يكن للبتكوين أي قيمة. لم يكن للبتكوين سعر، ولكن كان حوله قوم يؤمنون به، ويؤمنون أنه يستحق الكهرباء وقوة الحوسبة، والجهد المبذول لاكتسابه. كان البتكوين نقدًا بفضل هؤلاء منذ ذلك الوقت، لأنهم اتخذوه طريقة لتخزين العمل الذي أجروه، إذ يمكن اعتبار برهان العمل وتعدين البتكوين نوعًا من العمل. جرت أول مناقلة بتكوين مشهورة في مايو 2010، عندما دفع أحد مطوري البتكوين إلى أحد معارفه 10 آلاف بتكة مقابل طلب بيتزا من بابا جون، بمعدل صرافة لزوج البتك\الدولار يبلغ $0.0025. جعلت هذه المناقلة القيمة السوقية الإجمالية للبتك نحو 7 آلاف دولار.[24]

في العاشر من فبراير 2011، نشرت مدونة سلاشدوت التقنية مقالة بعنوان «عملة البتكوين الرقمية تبلغ الدولار». بسبب شيوع هذه المدونة بين مهندسي البرمجيات، يشير كثير من السبّاقين إلى البتكوين إلى هذه المقالة ويقولون إنها كانت أول مرة يسمعون فيها عن البتكوين. بعد هذه الشهرة الإنترنتية البسيطة، بعد مجرد عامين من بدء المشروع، بدأ البتكوين يكتسب اهتمامًا وشهرة حقيقية. نما عدد المستخدمين المؤمنين بهذا النوع النقدي الجديد واتفق الجميع أن جدول العرض المحدد أمر يستحق الحماية. عمّا قليل، بدأ المطوّرون والأدمغة يتجمعون حول الشبكة، وودّع ساتوشي الإنترنت. إلى حين كتابتي لهذه السطور، لم تُنقل المليون بتكة التي عدّنها ساتوشي في أول عام من البتكوين قطّ.

تجاوزت القيمة السوقية للبتك 100 مليون دولار في يونيو 2011 عندما نشر موقع غاوكر Gawker مقالة بعنوان «الموقع المخفي الذي يمكنك أن تشتري فيه أي مخدِّر تتخيّله». كان موقع طريق الحرير سوقًا سوداء على الإنترنت، أكثر استعمالها لشراء وبيع المخدرات الممنوعة على الإنترنت. لمّا كان البتك عملة جديدة إنترنتية لامركزية رقمية، لا تعرفها وحدات حفظ النظام بعد، كان العملة المناسبة لمستخدمي موقع طريق الحرير. في البتكوين، ما من بنك يستطيع تمييز المناقلات المريبة، ولا نقد مادي يرسَل بالبريد أو بالمقابلة، ولا وحدة لحفظ النظام تشرف على سجل المناقلات. بعيدًا عن الأنظار، يمكن لمناقلات البتكوين أيضًا أن تكون مجهولة (المصدر والهدف). شرحت مقالة الموقع أن على المرء أن يشتري البتك من منصة بتكوين قبل أن يشارك في هذا السوق:

لا يقبل طريق الحرير بطاقات الائتمان، ولا البايبال، ولا أي نوع من الدفع يمكن تعقبه أو حظره. النقد الوحيد الصالح هنا هو البتكوين.

في النهاية، فتح مكتب التحقيقات الفدرالي تحقيقًا وأغلق موقع طريق الحرير. استحوذ المكتب على البتك في هذه العملية وواجه حقائق جديدة عن النقد في العصر الرقمي. من هذه اللحظة، بدأت وحدات حفظ النظام حول العالم تراقب سجل مناقلات البتكوين بحثًا عن المناقلات المريبة، لكي تعتقل المجرمين. طوّرت هذه الوحدات طرقًا لربط مناقلات البتكوين بمعلومات الموقع لكي تفعل ذلك. بعد أن بدأت وحدات حفظ النظام تراقب سجل مناقلات البتكوين، لم يعد البتكوين العملة المثالية للأنشطة الإجرامية، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك. هذا الفصل (بين البتكوين والإجرام) عزز شرعية البتكوين تعزيزًا محوريًّا.

في 28 نوفمبر 2012، حدث أول تنصيف في البتكوين بعد تعدين الكتلة صاحبة الرقم 210,000، ونُصّفت مكافأة تعدين الكتلة من 50 بتكة إلى 25. ومع أن اللحظة مرّت من دون أي مشكلة أو ضجة من وجهة نظر سلسلة الكتل، فإنها كانت خطيرة من وجهة النظر النقدية. عندما صمم ساتوشي أول نسخة صالحة من كود البتكوين، صمم سياسة نقدية تمتد أكثر من قرن في المستقبل. ثم بعد أربع سنوات، حدث أول تعديل على العرض في الشبكة من دون أي مشكلة أو اعتراض أو طمع من المشاركين في الشبكة. كان جدول العرض الثابت، والتنصيف بعد كل حقبة، وسقف المعروض بواحد وعشرين مليون بتكة، كانت هذه الأشياء من الشروط التي تلاحظ في الشبكة، ولا يُشكّك أحد فيها. لقد صمم ساتوشي سياسة نقدية لا يستطيع فيها الرأي الإنساني تغيير خوارزمية العرض. إن الوعي بهذا الابتكار المهيب وقوة الإجماع عليه، قاد أطروحة الاستثمار في البتكوين: إنه العملة التي لا يمكن توسيع معروضها ولا بخس قيمتها. أصبح البتكوين الذهب الرقمي.

في عام 2013، انفجر سعر البتك\الدولار، وناف على 1000 دولار، وأعطى الشبكة قيمة سوقية تبلغ 10 مليارات دولار. في ذلك الوقت، بدأت الفايننشال تايمز، ووول ستريت جورنال، وبلومبرغ، تنشر مقالات عن البتكوين ومجال العملات الرقمية بانتظام، وأصبحت الهوية البصرية للبتكوين معروفة. حقّر مسؤولو الحكومات فكرة العملة الرقمية اللامركزية، لغياب المُصدِر المركزي في البتكوين، وهو ما أشعل النقاش على فصل النقد عن الحكومة.

اكتسب البتكوين الاعتراف الرسمي من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014، وتقدّم خطوة نحو الشرعية ومحى الآثار البشعة التي خلّفتها فترة سوق الحرير. قررت دائرة الإيرادات الداخلية أن امتلاك البتك يعامل معاملة الملكية وأن الأرباح المحققة بالدولار خاضعة لضرائب الربح الرأسمالي. كان هذا اعترافًا من حكومة الولايات المتحدة أن امتلاك البتك نوع من الملكية مثل العقارات أو الذهب المادي، ويجب أن تُفرض عليه الضرائب بهذا الاعتبار.

بالإضافة إلى ذلك، حكمت لجنة تداول السلع الآجلة أن البتكوين سلعة وليس عملة. قارنت اللجنة بين البتكوين والذهب في عملية بحثها واستنتجت أن امتلاك البتك هو امتلاك لسلعة رقمية بسبب اعتماد البرنامج على المفاتيح الخاصة. هنا بدأ البتكوين يتحول إلى فئة أصول مستقلة، على الرغم من صعوبة تعريفه في السياق التقليدي بسبب خصائصه الجديدة.

في عام 2014، كانت حكومة الولايات المتحدة نفسها واعية بالتطور النقدي الذي يحدث. جذب البتكوين المدّخرين (الموفّرين) من الدول التي كانت حقوق الملكية فيها مضطربة، كان هؤلاء المدّخرون يبحثون عن نقد عصيّ على المصادرة، لا يعترف بالحدود. كما جذب الموفّرين بالدولار الذين فقدوا ثقتهم بالاحتياطي الفدرالي مصدرًا للسياسة النقدية. كان الطلب الصادق على البتكوين موجودًا في كل ناحية من نواحي الكوكب. في عام 2017، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للبتكوين أكثر من 100 مليار دولار في أكبر صعود شهده سوق البتكوين. أصبح النمو المتسارع للبتكوين حقيقة لا نكران لها.

التوليب

في القرن السابع عشر، بعد عدة عقود من تأسيس بنك أمستردام، نشأت فقاعة في ثمن أزهار التوليب الهولندية. كان التوليب سلعة فاخرة للأغنياء، وأصبحت حديث الناس وشغلهم الشاغل في هولندا، إذ أراد الجميع قطعة من هذه السلعة المرغوبة. انفجر سعر الأزهار صعودًا ثم لم يلبث أن انهار، كما تنهار كل فقاعات المضاربة. استُعمل بعد ذلك مصطلح الفقاعة لوصف صعود سعر أصل من الأصول على نحو لا يُصَدّقه كثيرون، يتبعه بعد ذلك هبوط مدمّر بلا شك. طبعًا، حاول كثير من النقاد بلا جدوى استعمال كلمة فقاعة مع البتكوين.

لم يزل صعود البتكوين المتسارع منذ نشوئه يثير صرخات تحذّر من أنه فقاعة، ومقارنات له بالتوليب الهولندي، مع أنه نجا من هبوطات في الأسعار بلغت 80% في ثلاث مناسبات مختلفة. إن سعر البتك\الدولار متقلب جدًّا، نجد فيه تقلبات أوسع بكثير من التي نجدها في أسعار الأصول الأخرى. ولكن هذا التقلب ليس دليلا يثبت أو ينفي جودة الأصل أو تفوّقه. إذا أُريد للبتكوين أن ينمو من شبكة نقدية مراهقة إلى أساس للنظام النقدي العالمي، فلا شك أن صعوداته وهبوطاته ستكون أشبه بلعبة قطار الموت. إذا بلغت القيمة السوقية للبتك القيمة السوقية لكل الذهب في العالم، سيبلغ سعر البتك\الدولار نحو 500 ألف دولار.[25] من الآمن أن نتوقع أن الرحلة من أقل من دولار إلى 500 ألف دولار ستحمل ما يكفي من التقلبات المخيفة في السعر، صعودًا أو هبوطًا. تعمّق هذه التقلبات نضج البتكوين وتفرّق بين السباقين إلى الاعتماد والذين ينتظرون أن يستقر السعر بمعيار الدولار. لكن هذا التقلّب كله لا يمنع البتك من أن يكون مخزنًا للقيمة وبديلًا عن العملات القائمة على مبادئ هرِمة.

في الحقيقة، ليس البتكوين من جنون التوليب في شيء. لا تصعد الفقاعات ثلاث مرات في عقد واحد ثم تعود أقوى مع كل تعافٍ، والمستثمرون يدركون هذه الحقيقة شيئًا فشيئًا. في عام 2020، أقر بعض أهم مستثمري صناديق التحوّط في هذا الجيل، بول تيودور جونز وستانلي دركنميلر، أنهما يمتلكان شيئًا من البتك. أوصت بعض أهم مراكز إدارة الاستثمارات، مثل أليانس بيرنستين، وبلاكروك، وفيديليتي للاستثمارات، إيصاءات عامة لعملائها أن يملكوا شيئًا من البتك في ميزانياتهم احتياطًا من تناقص قيمة عملاتهم الحكومية. منحت بايبال، أكبر شركة مدفوعات رقمية، عملاءها (وهم 300 مليون عميل) القدرة على شراء البتك من منصتها. بدأ يتّضح في مجتمع الاستثمارات أن إنكار مكان البتكوين في مستقبل النقد مثل إنكار مكان الإنترنت في مستقبل التجارة عام 1999. نعم قد تكون أسهم الإنترنت مرت بفقاعة مضاربة في مطلع القرن الواحد والعشرين، ولكن أكبر شركات المساهمة العامة اليوم هي مايكروسوفت وآبل وأمازون وألفابت (غوغل)، وفيسبوك، كل هذه الشركات أنتجت تريليونات الدولارات في قيمتها السوقية بفضل الإنترنت.

سبقت هبّة الانفعالات هذه صعود سعر البتك\الدولار وبلوغه قمّة جديدة في مطلع عام 2021، عندما بلغت قيمته السوقية أكثر من 600 مليار دولار. كانت قطعة رقمية سعرها أقل من سنت في عام 2010، أصبحت سلعة قيمتها 34 ألف دولار بعد عقد واحد فقط. وشراء البيتزا في بابا جون يساوي اليوم 340 مليون دولار، في عيد ميلاد البتكوين الثاني عشر (3 يناير 2021). يظهر الشكل 15 الصعود النيزكي في قيمة البتكوين السوقية منذ 2010.

الشكل 15

شبكة البرق

شبكة البرق تعزيز تقني للبتكوين يحوّله من سلعة بطيئة الانتقال مثل الذهب المادي إلى عملة تنتقل بسرعة الضوء. أهم عنصر في شبكة البرق هو العقد الذكي. بالعموم، العقود الذكية هي اتفاقات مبرمجة قادرة على أي شيء مبرمج فيها. لأهداف البتكوين، تستطيع العقود الذكية التنسيق بين الأطراف، كما تستطيع ضمان الدفع. توسّعت العقود الذكية في شبكة البرق، المسماة عقود قفل الوقت المرمّزة (بالهاش)، إلى أن أصبحت شبكة نقدية قادرة على معالجة ملايين المناقلات في الثانية. فلننظر نظرة أقرب إلى كيفية تطور شبكة البرق.

في أول عامين من نشوء شبكة البتكوين، قدّمت فئة قليلة من المتحمّسين للبتكوين أفكارها وتطويراتها المقترحة للمشروع. أصلح هؤلاء المطورون ثغرات كان يمكن أن تقتل الشبكة قبل أن تبلغ أوجها. عمل هؤلاء المبرمجون والمشفرون في البتكوين لأنهم مقتنعون بالتقنية، ومالكون للبتك، ومريدون للشبكة أن تنجح. لم يكونوا يقبضون من أي جهة، بل كانوا يعملون من إيمانهم بالعملة الجديدة. مع مرور السنين، تحوّل البتكوين من مشروع إلى شبكة نقدية عالمية.

أهم التحديثات التي حولت البتكوين إلى منصة عقود ذكية حدثت بين عامي 2015 و2017. حوّلت اقتراحات تطوير البتكوين هذه المناقلات التي كانت باتجاه واحد، إلى عقود يمكن تشكيلها بطرق متعددة، من دون تغيير قواعد البتكوين الأساسية.[26]

في عام 2016، نشر مهندسا البرمجيات جوزف بون وثاديوس دريجا ورقة بحثية عنوانها «شبكة البرق في البتكوين: دفعات فورية غير مسجّلة في السلسلة وقابلة للتوسع»، بنت هذه الورقة على الابتكارات في مجال العقود الذكية التي كانت تحدث في برنامج البتكوين. كانت الورقة اقتراحًا لنوع جديد من العقود الذكية في البتكوين، يتيح تسوية الدفعات مباشرة من دون الحاجة إلى انتظار تعدين الكتلة التالية. لا تكتفي شبكة البرق بأنها تزيد قدرة البتكوين زيادة لانهائية بوصفه وسيلة متاجرة، بل وتتيح ابتكارات منها الدفع للبث المباشر كل جزء من الثانية. في عصرنا الرقمي الذي نبثّ فيه كل شيء، لم لا يُبَثّ المال أيضًا؟

أتت شكة البرق ببُعد جديد في قيمة الوقت للبتك. يستطيع المستخدمون الذين يضعون ضمانة من البتك في شبكة البرق لتسهيل المناقلات أن يكتسبوا ربحًا من تقديم هذه السيولة. وهذه طريقة لم نشهد مثيلًا لها في التاريخ، يكتسب فيها رأس المال عائدًا من دون أن يخرج من حيازة مالكه لأن مقدّمي الضمانات لا ينفكّون عن بتكاتهم التي يضعونها في شبكة البرق. معدلات الفائدة المشتقة من هذا النوع من النشاط يمكن أن تكون معدلات مرجعية في عالم البتكوين بفضل طبيعة شبكة البرق الخالية من خطر التخلف. إن مفهوم القيمة الوقتية للنقد نفسه يتغير مع دخول هذه التقنيات الجديدة إلى المشهد النقدي.

العملات الرقمية البديلة

كان لا بد من أن تُنشأ نُسَخ مقلّدة عن البتكوين. البتكوين برمجية مجانية ومفتوحة المصدر، أي يستطيع أي أحد أن يحملها ويراجعها. في مناسبات عديدة، قاوم البتكوين تغييرات مقترحة على قواعده، اقترحها مطورون كانوا خارجين عن إجماع غالبية مستخدمي البتكوين. نشأت نسخ بديلة من العملات الرقمية، بعضها منسوخ منها، وبعضها مغيَّر عنها، وبعضها مبني من جديد. لو كانت هذه الأفكار أفضل من البتكوين، لاتجهت رؤوس الأموال إليها لا إلى البتكوين. إلى اليوم، لم تتحدّ أي عملة رقمية البتك لمدة طويلة، سواء بالقيمة السوقية أو بقوة التعدين. العملات الرقمية البديلة في الحقيقة موجودة في طبقة دنيا في هرم البتك نفسه، بسبب ارتباط سعرها بسعر البتك، كما أن العملات الوطنية أصبحت في طبقة أدنى من الدولار بعد اتفاقية بريتون وودز عام 1944. وكما أن الدولار هو التقويم الأساسي للعملات حول العالم، فكذلك البتك هو التقويم الأساسي لكل العملات الرقمية.

والبتك يفرض وازعًا على الطبقات الأدنى في هرمه لأنه غير قابل للتزوير، ولكن هذا لا يمنع من إصدار البتك في الطبقة الثانية، أو من إصدار أي أصل رقمي. وسواء أوصفنا هذه العملات بالتقليدات أو بمحاولات انتزاع المال، فإن بركانًا منها انفجر بعد النجاح المبكر للبتكوين. أضافت منصات المتاجرة هذه العملات إلى منصاتها وأصبحت تتاجر بالبتك، لا بالدولار، وهو ما يثير الملاحظة. نشأت فئة جديدة من الأصول هنا، هي العملات الرقمية، والبتك هو التسوية النهائية في العالم الرقمي.

لن يكون البتك وحيدًا أبدًا في مجال الأصول الرقمية، سترافقه دائمًا أصول مساعدة. ولكنه سيبقى وحدة الحساب التي يعتمد عليها البقية في العالم الرقمي بفضل امتناعها على الفساد. إن سيادة بروتوكول البتكوين بوصفه البروتوكول الأساسي لنقل القيمة على الإنترنت سيستمر على الراجح في العقود التالية، كما أن بروتوكول التحكم بالنقل، وبروتوكول الإنترنت، وبروتوكول نقل النصوص الفائقة يسود المعاملات الرقمية كل يوم عندما نتصل بالإنترنت أو نتصفح الوب.

العملات المستقرة

طبقة ثانية تنمو بسرعة في هرم البتكوين النقدي، هي الأصول الرقمية المعروفة باسم العملات المستقرة. العملات المستقرة هي مسؤوليات تصدرها شركات في القطاع الخاص على شكل أصول رقمية. يُفترَض بهذه الأصول الرقمية أن تُباع وتشترى بسعر «مستقر» أمام الدولار مثلًا. إن وصف هذه العملات بالمستقرة أقرب إلى الوصف المتناقض لأنه، كما رأينا، قلّما تحافظ الأدوات النقدية في الطبقات الدنيا من المال على استقرارها. العملات المستقرة: عملات رقمية تبقى مستقرة إلى أن تفقد استقرارها.

ابتُكرت العملات المستقرة لأن المنصات أرادت وسيلة أسهل وأسرع لعملائها للتحويل بين البتك والدولار. عمليًّا، أنشأت المنصات عملاتها التي تمثّل دولارات في البنوك ولكنها تُتناقل بالمفاتيح الخاصة والعناوين كالبتكوين.

أهم عملة مستقرة هي عملة لم تُطلَق بعد: عملة ديم التي سيطلقها الفيسبوك (كان اسمها الأصلي ليبرا). كان القصد أن تكون مغطاة بأوراق الخزانة الأمريكية والأدوات النقدية المقومة بالدولار. وسواء انطلقت هذه العملة أم لم تنطلق، فإن مجرد إعلان الفيسبوك عن عملة مستقرة عام 2019 كان نقطة علام كبيرة للنقد الرقمي. كانت اللحظة التي حاولت فيها فيسبوك الدخول في عالم النقد اللحظة نفسها التي علمت فيها المصارف المركزية أنها محتاجة إلى رد رسمي على إدماج النقد والتشفير. تتطلع بنوك القطاع الخاص أيضًا إلى التربّح من الطلب على عملات مرتبطة بالدولار ومبنية على السجلات: أطلق بنك جي بي مورغان عملته المستقرة الخاصة عام 2020 باسم JPM.

في يناير 2021، أصدرت الخزانة الأمريكية دليلًا مفصّلًا عن شرعية العملات الرقمية والعملات المستقرة في تقرير من مكتب مراقبة العملة.[27] يسمّي الدليل العملات الرقمية والسجلات الموزّعة باسم شبكات عُقَد التحقيق المستقلة، وتعرّف «العملة الرقمية» كما عرفناها تمامًا في هذه الفقرة، وهو ما يتيح للمصارف أن تتناقل القيمة رقميًّا ما دامت قوانين المصرفية متبعة. كان هذا التشريع دليلًا على أن مستقبل القنوات النقدية سيبنى على أساس التشفير:

من هنا نستنتج أن البنك يحقق المدفوعات ويخزنها ويسجلها عندما يكون عقدة في شبكة من شبكات عقد التحقيق المستقلة. كذلك، يستطيع البنك استعمال شبكات عقد التحقيق المستقلة وعملاتها المستقرة ليقوم بأنشطة الدفع الأخرى التي يسمح بها القانون. يجب أن يقوم البنك بهذه الأنشطة على نحو موافق للقانون المناسب وموافق للممارسات المصرفية الآمنة والسليمة.

السلع الآجلة

لئن كانت نيويورك عاصمة المصرفية في الولايات المتحدة، فإن شيكاغو لم تزل عاصمة التحوّط بالسلع. في القرن التاسع عشر، معيَرت شيكاغو عالم العقود الآجلة، وأتاحت بذلك للمزارعين أن يبيعوا محاصيلهم قبل حصادها. في عام 1898، أدّت معيرة عقود الزبدة والبيض الآجلة إلى تشكيل لجنة البيض والزبدة بشيكاغو، وهي سلف منصة التجارة بشيكاغو، التي تعد اليوم أكبر منصة مشتقات في العالم. أضافت هذه المنصة كل سلعة تتصوّر إلى مجال العقود الآجلة مع مرور السنين، من المواشي الآجلة في 1964 إلى الفضة الآجلة في 1969 إلى البتكوين الآجل في 2017.

في 2016، عندما أعلنت منصة التجارة بشيكاغو خططها لنشر بيانات سعر البتكوين في التحضير لإطلاق عقود آجلة له في السنة التالية، فأصبح ثقل شيكاغو في عالم السلع كله موضوعًا في كفة البتكوين وهو ما أضاف إضافة كبيرة إلى شرعيته. تساعد عقود البتكوين الآجلة المشاركين في أسواق المال أن يترجموا بين البتك والدولار، وهو ما يسهم في اعتماد البتكوين مباشرة. تستطيع الشركات أن تنخرط في أنشطة مقومة بالبتك وهي عالمة أنها تستطيع إدارة خطر معدل الصرف. بالإضافة إلى ذلك، تقدم العقود الآجلة نوعًا آخر من البتك في الطبقة الثانية للمشاركين الذين يعملون في هرم الدولار ولكنهم يريدون التعرّض لتغيرات سعر البتك، من دون امتلاك مفاتيح بتكوين خاصة. دفع منتج منصة التجارة بشيكاغو البتكوين في طريقه إلى التكامل مع النظام المالي التقليدي.

طبقات البتكوين

مع استمرار الاعتماد العالمية لعملة البتكوين وعقليته النقدية، تزدهر طبقة البتكوين الثانية بمجموعة متنوعة من الوعود المبنية على البتك والعملات الرقمية والعملات المستقرة. يظهر الشكل 16 أن البتكوين على رأس هرمه النقد الخاص الجديد المبتكر، ويظهر بعض نقود الطبقة الثانية التي تنشأ من أوراق الميزانية، وبعضها ينشأ من علاقات الأسعار.

الشكل 16

الفصل التاسع

عملات المصارف المركزية الرقمية

لقد غيّر ابتكار البتكوين النقد إلى الأبد وأجبر المصارف المركزية على أن ترد بتطبيقها الخاص للعملة الرقمية. حول العالم، تتحضّر المصارف المركزية لإطلاق عملاتها الرقمية، لتكون أداة نقدية أخرى في الطبقة الثانية تنشأ من أوراق ميزانيتهم مثل الاحتياطيات والعملات الورقية. ولكن لا يعلم أحد كيف ستبنى هذه العملات، وكم ستكون مشابهة للبتكوين أو مختلفة عنه، وما أثرها. سينظر هذا الفصل إلى المرحلة التي وصلت إليها المصارف المركزية في إطلاق منافساتها الرقمية، ويخمّن المواجهة بين عملات المصارف المركزية والعملات المستقرة والبتكوين في المستقبل.

تغيير اللعبة

اجتمع المصرفيون المركزيون من الاحتياطي الفدرالي ومن أنحاء العالم في جاكسون هول في ويومنغ عام 1982 ليطوروا علم المصرفية المركزية وممارستها. في اجتماع 2019، خطَب حاكم مصرف إنكلترا مارك كارني وقدم في خطابه رسالة رهيبة عن النظام النقدي والمالي العالمي: «على المدى الطويل، يجب أن نغير اللعبة». تحسّر كارني على نظام عملة أحادي القطب كان فيه الدولار عملة الاحتياطي الوحيدة، وقال إن هذا النظام غير قابل للاستبقاء ودعا إلى استكشاف تطوّر النقد ما بعد الدولار. المشكلة هي أن التخطيط لهذه التغييرات طويلة المدى البعيدة عنا عقودًا، مهمة صعبة جدًّا. إن وضع مسارات جديدة لمستقبل النقد أسهل قولًا منهُ فعلًا.

نقد المروحيّة

في 2016، خطب بن برودبنت، وهو من كبار المسؤولين في بنك إنكلترا، خطابًا عنوانه «المصارف المركزية والعملات الرقمية» في كلية لندن للاقتصاد. يستحق هذا الخطاب أن يسجل في تاريخ النقد. يناقش الخطاب هذه الأسئلة:

ما هو الابتكار الأساسي في العملات الرقمية الخاصة مثل البتكوين؟ ما هي عملات المصارف المركزية الرقمية؟ وما هي التداعيات الاقتصادية التي ستنجم عن تقديم عملة رقمية لمصرف مركزي؟

حاول الخطاب أن يستوعب حجم ابتكار البتكوين ومقتضياته على تفكيرنا بالعملة، كما أنه تقدم بالنقاش وأقرّ بأن المصارف المركزية تستطيع أن تستخدم فكرة النقد الرقمي المشابه للبتكوين لمصلحتها بتوسيع الوصول لكل الذين يستطيعون امتلاك مسؤوليات مصرفية أو نقود في الطبقة الثانية.

ما الذي يشدّ المصارف المركزية إلى إصدار عملاتها الرقمية؟ الجواب هو توسيع الوصول إلى نقد الطبقة الثانية. تذكر أن الاحتياطي الفدرالي يصدر نوعين من النقد، نوع جُمليّ هو احتياطيات يقدمها لبنوك القطاع الخاص، ونوع مفرَّق لعامة الناس. من أجل تقديم تنشيط نقدي، يصدر الفدرالي احتياطيات ويأمل أن بنوك القطاع الخاص ستستخدمها لإنشاء ودائع في الطبقة الثالثة من خلال إقراضها. بوجود عملة رقمية للمصرف المركزي، يستطيع الفدرالي أن ينشئ نقدًا في الطبقة الثانية مباشرة وأن يعطيه للناس على هيئة نقد مروحية رقمي. إن عبارة «نقد المروحيّة» آتية من ميلتون فريدمان، الذي قدم في عام 1969 صورة تطيير النقود من مروحية لتنشيط الطلب الاقتصادي.

لن يستطيع الفدرالي بالضرورة أن يقدّم هذا الحافز الاقتصادي من دون نقاش سياسي أوسع، ولكن العملة الرقمية التابعة للمصرف المركزي تشوّش الفرق بين السياسة النقدية المستقلة للمصرف المركزي، وبين السياسة الضريبية التي ترسمها الحكومة. لقد بُحث نقد المروحيّة بوصفه أداة للسياسة النقدية على مر العقود، ومع شيوع أفكار سياسية مثل الدخل الأساسي العام، ستكون العملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية أفضل طريقة لدفع المال مباشرة للمواطنين في المستقبل.

قدّم برودبنت مصطلح عملات المصارف المركزية الرقمية واختصارها (CBDC)، الذي لا شك أنه سيحكم النقاش النقدي في السنين الآتية. منذ خطاب برودبنت، بدأت المصارف المركزية في الصين والسويد وأستراليا اختبار عملاتها الرقمية. أما البنك الأوروبي المركزي وبنك إنكلترا والاحتياطي الفدرالي فكلها مستمرة في جهودها البحثية التي مرّت على ابتدائها سنين، وكلها دلّت على أن نوعًا من العملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية سيأتي في السنين الآتية. إن الجدال في هذا الأمر خالٍ من القيمة العملية.

الحقيقة الحالية هي أن الأسئلة أكثر من الإجابات في قضية العملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية وفي الطرق التي ستسلكها. هل ستكون هذه العملات نقدًا مفرّقًا يستطيع عامة الناس امتلاكه؟ في هذه الحالة، ما الذي سيحدث للبنوك ونقودها التي تصدرها في الطبقة الثالثة للناس؟ في النهاية، ودائع البنوك في الطبقة الثالثة هي النوع الأساسي من النقد في استعمال الناس، والعملة الرقمية المتاحة للناس يمكن أن تزيح هذه الودائع من مكانتها. ومن وجهة النظر المجتمعية، كيف ستستعمل المصارف المركزية قدرات المراقبة والسياسة النقدية التي يتيحها إصدار عملات رقمية متاحة للناس؟ تستطلع المصارف المركزية حول العالم آراء المختصين والناس للإجابة على هذه الأسئلة عن عالم النقد الرقمي.

تصميم عملات المصارف المركزية الرقمية

مع عدم وجود أي خصائص رسمية إلى الآن، تبقى عملات المصارف المركزية الرقمية أرضًا نقديّة مجهولة. ولكن من وجهة نظر طبقات النقد، نرى تعريفًا أفضل لهذه العملات. عندما تصدر المصارف المركزية هذه العملات ستكون نقدًا من الطبقة الثانية، مسؤولية في ميزانية المصرف المركزي إلى جانب النقد الورقي والاحتياطيات. إن العالم يتطلع إلى لعبة متعددة الأطراف كما قال مارك كارني، وعلى الدول التي تريد المشاركة في هذه اللعبة أن تبني عملاتها الرقمية بخصائص محددة.

على المصارف المركزية أولًا أن تقرر هل ستكون عملاتها الرقمية أقرب إلى احتياطيات البنوك أم إلى نقود العامّة. يتطلب هذا الحوار نظرية النقد الطبقي لتحقيق الوضوح في هذا القرار المهم والمؤسس في إصدار العملة الرقمية.

عندما يستعمل الناس النقد العين، فهم يستعملون نقدًا من الطبقة الثانية ويتجنبون طبقة المصارف كلها. ولكن معظم الناس لا يستعملون النقد العين (المادي). يستعمل معظم الناس ودائع البنوك ومنصات الدفع المرتبطة بحسابات البنوك للتعامل اليومي مع النقد، وهذه الأشياء كلها في الطبقة الثالثة وما تحتها من الهرم النقدي. إن المصارف المركزية واعية بآثار إصدار بنوك القطاع الخاص لعملاتها الرقمية. بوجود هذه التقنية الجديدة، ستستطيع المصارف المركزية أن تقلّص دور البنوك في إصدار النقد، وإذا كانت العملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية متاحة لعامة الناس، فقد يقلص الناس اعتمادهم على حسابات البنوك لاستقبال الودائع ودفع الفواتير.

كما يمكن للمصارف المركزية أن تصدر عملة رقمية على هيئة احتياطيات جُملية، متاحة للبنوك فقط. هذه الاحتياطيات الرقمية تستطيع تحديث البنية التحتية للنظام المالي والمصرفي، ولكنها لن تؤثر في تعامل المجتمع مع النقد.

هل ستصدر المصارف المركزية عملاتها للبنوك أم لعامة الناس؟ سنرى أن بعضها تحاول خيارًا من هذين، وبعضها يحاولهما معًا. لن تؤدي العملات الرقمية الجملية إلى التخلي عن البنوك. والراجح أيضًا أنها الطريقة الأفضل لاختبار هذه التقنية الجديدة مباشرة مع بعض البنوك، بدلًا من اختبارها مع ملايين الناس. أما العملات المتاحة للعامة فتستطيع تغيير مفهوم السياسة النقدية نفسه إذ تعطي المصارف المركزية القدرة على التعامل مع الناس مباشرة بدلًا من توسّط البنوك. سيختار كل مصرف مركزي طريقًا.

الصين

تصاعدت التوترات السياسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية على مر السنين الفائتة، وسيستمر تصاعدها مع تعزيز الصين لرغبتها في أن تصبح القوة العالمية الأهم. تطرح مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين بنية تحتية عالمية لشبكة تجارية تضم أكثر من مئة دولة، وتسعى الصين من خلال هذه المبادرة إلى نشر نفوذها والتقويم بعملتها في العالم.

لكن صعود الصين بلا شك لا توافقه حركة في سوق رؤوس الأموال نحو عملتها، خصوصًا بين الباحثين عن أصل خال من الخطر. وليس سوق سندات الحكومة الصينية على رادار السندات السائلة والآمنة عالميًّا إلا نقطة لا تكاد تُلاحظ، ولكن الأهم أن عملة الصين الرسمية الرنمينبي (ومعناها: «عملة الشعب») التي ابتدأ وجودها مع تأسيس بنك الصين الشعبي عام 1948، ليست عملة حرّة التجارة. تقيّد الحكومة الصينية التجارة بين الرنمينبي والعملات الأخرى تقييدًا كبيرًا، وتدير أسعار الصرف ولا تتركها للسوق، لذلك فإن التحويل بين الرنمينبي والدولار –وهو عملة الاحتياطي العالمية– ليس من السهولة في شيء. يبقى الرنمينبي، مع كل محاولات الصين الحديثة لنشره عالميًّا، حسابًا مغلقًا لرؤوس الأموال. معنى ذلك أن الشركات والبنوك لا تستطيع بسهولة نقل الرنمينبي خارج الصين، وهو ما ينفي أي طلب عالمي على العملة بوصفها عملة احتياطي عالمية. مع هذا، تحضّر الصين نفسها لعالم ما بعد الدولار. في السنين الأولى بُعيد الأزمة المالية عام 2008، ابتدأت الصين علاقات مباشرة بين عملتها وبعض عملات حلفائها، بهدف تقليص اعتمادها على الدولار لتسوية التجارات العالمية. بدأ هذا الأمر باتفاق الصين مع روسيا عام 2011، واستمر مع استمرار بحث الصين عن بدائل لنظام الدولار العالمي.

يختبر بنك الصين الشعبي نظامًا للرنمينبي الرقمي يسميه الدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية، في بعض المدن ذات التعداد السكاني المحدود وتعداد الشركات المحدود، في أول مرحلة من مراحل إطلاقه. كما أن الصين تمضي قُدُمًا في تأطير هذا النظام قانونيًّا إذ تتطلع إلى الدخول في سباق العملات الرقمية الحكومية العالمي. الراجح أن الصين ستستعمل الرنمينبي الرقمي وسيلة لزيادة نفوذها العالمي ونشر عملتها. عند إتمام هذا النظام، قد يكون أكبر أداة رقابة مالية في العالم، لا سيما إذا فرضت الحكومة الصينية على من يتعامل مع الشركات الصينية استعماله. من أهم تفاصيل هذا الإطار القانوني هو أنه يمنع إصدار بنوك القطاع الخاص لعملات رقمية مرتبطة بالرينميبي (عملات مستقرة صينية). ستكون هذه صفة مميزة لعملة الصين الرقمية الحكومية، إذ يبدو أن الصين تريد الانتقال إلى نظام مالي لا وجود فيه لودائع البنوك في الطبقة الثالثة، بل تحل محلها العملة الرقمية الحكومية في الطبقة الثانية، ويستعملها كل المواطنين.

اليورو الرقمي

نشر البنك المركزي الأوروبي «تقريرًا عن اليورو الرقمي» في أكتوبر 2020 وأظهر نيته الكاملة لنقل عملته إلى المجال الرقمي. استنتج التقرير أن «اليورو الرقمي قد يصبح مهمًّا أكثر في بعض الحالات» في إقرار منه أن إدماج علوم النقد والتشفير يغيّر النظام النقدي العالمي رسميًّا وجوهريًّا. تملأ التقرير أسئلة –لا إجابات– عن اليورو الرقمي، منها أثره على العلاقة بين البنك الأوروبي المركزي وبنوك القطاع الخاص الأوروبية، ومنها تعايشه مع العملة الورقية أو إزاحته لها، ومنها مقتضياته على السياسة النقدية. تهدد العملات الرقمية الحكومية بنوك القطاع الخاص بسبب إمكان إزالتها للطلب على ودائع البنوك، ويبدو أن البنك المركزي الأوروبي يسعى إلى تحقيق التوازن الصحيح. حسب التقرير المذكور، يبدو أن البنك المركزي الأوروبي جاهز لإصدار مشروع اليورو الرقمي في مرحلة الاستكشاف التقني الكامل في عام 2021.

الفدرالي

ناقش رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم بول احتمال إصدار عملة رقمية للفدرالي، في مؤتمر صندوق النقد العالمي عام 2020:

الأهم أن تسلك الولايات المتحدة المسلك الصحيح، لا أن تصل أولًا. نحن ملتزمون بالتقدير الدقيق والممعن للأضرار والمنافع المحتملة لإصدار عملة رقمية تابعة للبنك المركزي على اقتصاد الولايات المتحدة ونظام الدفع فيها. لم نتخذ قرارًا بإصدار عملة رقمية تابعة للاحتياطي الفدرالي.

وعلى رغم غياب خطط محكمة لعملة الفدرالي، فإن الاحتياطي الفدرالي بلا شك على طريق إنشاء هذه العملة، إن لم يكن بسبب النجاح المستمر للبتكوين، فيسبب الإدراك المفاجئ أنه سيكون آخر بنك مركزي عالمي يصدر عملة له. سيكون الفدرالي، بناءً على ما قرأناه في حالة الصين وأوروبا، متأخرًا عن حفلة العملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية. يبعُد أن يصدر الفدرالي عملة رقمية يتيحها للعامة مباشرة، ولكنه سيبدأ بنوع من الاحتياطيات المصرفية الرقمية، ليختبر التقنية قبل أن يطلق عملته المتاحة للعامة. يظهر الشكل 17 مكان عملة الفدرالي الرقمية في الطبقة الثانية للنقد إلى جانب الاحتياطيات والنقد العين الورقي.

الشكل 17

علاقة السعر بين البتك والعملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية

إن الطرح الذي يقوم عليه هذا الكتاب هو أن البتك سينصب وحيدًا في الطبقة الأولى من النقد في المستقبل. وإذا أُريد استعمال كلمة واحدة تصف سبب هذا التنصيب، فسنختار الكلمة التي سكّها الكاتب والمفكر الاقتصادي المؤسس نسيم نيكولاس طالب: مضادّة الهشاشة. هكذا يعرّف طالب مضادة الهشاشة:

بعض الأشياء تفيدها الصدمات، إذ تزدهر وتنمو عندما تتعرّض للتقلب والعشوائية والضغوط وتحب المغامرة والخطر والشك. ومع أن هذه الظاهرة منتشرة، فإننا لا نجد كلمة تدل على ضد الهشاشة. فلنسمّها إذن مضادّة الهشاشة. مضادّة الهشاشة لا تقف عند المقاومة أو المتانة. المتين يقاوم الصدمات ولكنه يبقى كما هو، أما المضاد للهشاشة فيصبح أفضل.

البتكوين مضاد للهشاشة لأنه يزدهر بفضل الفوضى في النظام النقدي العالمي في هرم الدولار، وهو منيع على التهديدات والافتراءات والتشريعات الصادرة عن الكيانات البيروقراطية. إن الحقيقة الماثلة في البتكوين هي أن أحدًا لا يستطيع التحكم به. لقد أصبح البتكوين أول عملة رقمية حرّة من الحكومة ومتاحة للجميع. ولهذه الأسباب، سيكون اكتشاف سعر كل العملات في الفضاء الرقمي بتقويم البتكوين. أي إن كل العملات الرقمية، الخاصة أو الحكومية، ستُقاس بالبتكوين، كما أن اتفاقية بريتون وودز عام 1944 قضت أن تُقاس كل العملات بالدولار الأمريكي. يوضّح الشكل 18 المستقبل الذي سيكون فيه البتك النقد الوحيد في الطبقة النقدية الأولى.

الشكل 18

حتّى يتطوّر هذا النظام النقدي الطبقي المقوّم بالبتك، لا بد من وجود بعض التفاصيل التقنية التي تبدو اليوم صعبة المنال ولكنها تتطور في المصارف المركزية من اليوم. آخر قطعة من أحجية صيرورة البتكوين عملة الاحتياطي العالمية هي التبديلات الذرية.

التبديلات الذّرّيّة

إن فهم التبديلات الذرية ودورها في مستقبل النقد يتطلب جمع ثلاثة عناصر شُرحت في هذا الكتاب: شبكة البرق، وعقود قفل الوقت المرمّزة (بالهاش)، وتقنية السجلات الموزّعة. سنراجع بإيجاز العناصر الأساسية في كل تقنية، ثم نظهر كيف تتوافق فيما بينها. شبكة البرق هي شبكة من مستخدمي البتك الذين يستطيعون تناقله فيما بينهم مباشرة من دون انتظار تعدين الكتلة التالية. تقوم شبكة البرق على نوع من العقود الذكية يسمّى عقود قفل الوقت المرمّزة. أما تقنية السجلات الموزعة فهي مفهوم تستعمله الأكاديميات وأقسام البحث في المصارف المركزية للحديث عن البرامج المتأثرة بالبتكوين.

دونك كيف تتفق هذه المفاهيم كلها. ستستعمل المصارف المركزية برامج السجلات الموزعة المهيّأة بعقود ذكية مناسبة لشبكة البرق لإطلاق عملاتها الرقمية. إذا كانت العقود الذكية متوافقة مع الأصول الرقمية الأخرى، ستتيح عالمًا جديدًا من التبديلات الذرّيّة.

إن التبديل الذرّي في جوهره هو متاجرة. هو عقد ذكي يتيح التبديل بين عملتين رقميتين من دون الحاجة إلى طرف ثالث. هذا المفهوم ثوري في عالم المال والتجارة، سنستعمل مثال شراء أسهم آبل لنظهر ثوريته. فلنقل إنك تريد شراء 100 حصّة في آبل كل حصة منها بمئة دولار. ولنقل إنك أودعت 10 آلاف دولار في منصة تداول الأسهم. لا بد أن يودِع الذي يريد بيعك هذه الأسهم أسهمه في المنصة أيضًا. ثم يجب على المنصة في هذه الحالة أن تضمن أن لدى البائع والمشتري الأصول الكافية والنقد الكافي لإكمال المتاجرة. من دون وجود طرف ثالث، لا بد من أن يثق الطرفان أحدهما بالآخر في كل مرة يتتاجران. ولكن في حال وجود المنصّة، لا داعي لهذه الثقة.

تغيّر التبديلات الذّرّيّة مفاهيم المتاجرة هذه كلها. فهي مبرمجة إما أن تنفّذ طرفي المتاجرة معًا وإمّا ألا تنفّذها مطلقًا، لتلغي بذلك خطر تخلّف الطرف الثاني، وخطر تخلّف الطرف الثالث، وخطر التخلّف كله. من المهم أن نفهم أن التبديلات الذّرّيّة لن تعمل إلا مع العملات الرقمية المبنية على أساس برمجية سجل موزع مناسبة لنوع العقود الرقمية الذي تستعمله شبكة البرق في البتكوين. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن إصدار المصرف المركزي لعملته الرقمية سيلغي سيطرته عليها.

تتيح عدّة تطبيقات للسجلات الموزعة تقنية التبديلات الذّرّيّة. وهنا مثال واقعي للعمل الجاري على العملات الرقمية الحكومية القابلة للتبديل الذري. في عام 2019، أعلنت سلطة سنغافورة النقدية، وبنك كندا، وجي بي مورغان، وأكسنتشر، إجراء تبديل ذري ناجح بين الدولار الكندي والدولار السنغافوري بين سجلين موزعين مختلفين باستخدام عقود قفل الوقت المرمّزة «من دون الحاجة إلى طرف ثالث تثق به الحكومتان». كانت المناقلة معقدة جدًّا من وجهة النظر البرمجية والعلمية الحاسوبية، وأخذت وقتًا كثيرًا وعناية كبيرة لتحدث، ولكن الفكرة أن السلطات النقدية حول العالم تهتم بهذا النوع من البحث لاستكشاف مستقبل النقد. استعمل البنك المركزي الكندي سجلًّا موزّعًا اسمه كوردا، واستعمل بنك سنغافورة المركزي سجلًّا موزّعًا آخر اسمه كيورم، وكلاهما منتج قدمته شركات خاصة. بين السجلين فروق مهمة ولكنهما متوافقان فيما يهِمّ: أنهما يتيحان العقود الذكية فيما بينهما. ستحتاج المصارف المركزية إلى فرق كبيرة من المختصين بالتشفير التطبيقي في صفوفها لكي تصقل جميع التفاصيل التقنية في تطبيق عملاتها الرقمية. سواء أقررت الحكومات استعمال برمجية مصرفية، أو عملة رقمية بديلة، أو البتكوين نفسه، فهي أمام مجموعة واسعة من الخيارات عندما تعزم إطلاق عملاتها الرقمية. إذا أرادت المصارف المركزية لعملاتها أن تزدهر في عصر البتكوين، فلا بد أن تصدر هذه العملات على سجلات موزعة فيها عقود ذكية تمكنها من دخول عالم التبديلات الذرية. ما دام البتك هو أول عملة رقمية، فكل عملة رقمية أخرى، مهما كان صاحبها ذا سلطة ونفوذ، ستقاس بها.

الفصل العاشر

حرية التقويم بالعملات

منذ تأسيس بنك أمستردام في القرن السابع عشر، ارتبطت الأدوات النقدية بالحكومات. ولكن في العصر الرقمي، لم يعد هذا الارتباط حتميًّا. يرى كثيرون أن مفهوم النقد الحكومي كله أصبح من الماضي مع صعود البتكوين. ولمّا كان البتكوين برمجية، ورياضيات، وكلامًا، فلا بد أن يعتبر حقًّا من حقوق الإنسان. يمثّل البتكوين حرية التقويم بالعملات لأنه يعطي الناس القدرة على تقويم مدخراتهم وجنى أعمالهم بعملة غير مرتبطة بحكومة. سواء انتقل الناس إلى الحساب بالبتك بسبب مُثل سياسية، أو مظاهرات سلمية، أو إيمان بالتقنية التي أتاحت نوعًا جديدًا من النقد، فهذا يعطيهم حرية اختيار التقويم الذي يقومون به جنى أعمالهم. يعطي البتكوين الناس في أرجاء العالم أول بديل أصيل للعملات الوطنية، وهو أمر لم يعد بالإمكان إلغاؤه الآن، إذ يستعمل البتكوين أكثر من 100 مليون إنسان حول العالم.

رؤية للمستقبل

دونك ملخّصًا عن المسلك الذي قد يسلكه مستقبلنا النقدي في إطار طبقات النقد. اليوم، تستعمل المصارف المركزية غرف التداول لمتاجرة عملاتها في سوق القطع الأجنبي بهدف الحفاظ على استقرار أسعار صرفها. في المستقبل القريب، ستضيف هذه المصارف خيار المتاجرة بالبتك إلى عملياتها السوقية لكي تحافظ على استقرار سعر صرفها بالبتك.

لقد زلزل البتكوين توازن القوى النقدية ونزع القوة من الحكومات، حتى مع اقتراب إطلاق العملات الرقمية التابعة للمصارف المركزية. ستطلق الصين عملتها الرقمية في تحضيراتها للألعاب الأولمبية الشتوية عام 2022. أما البنك المركزي الأوروبي، والاحتياطي الفدرالي، وغيرهما من المصارف المركزية فستختبر عملاتها ثم ستصدرها.

ستصدر البنوك الخاصة عملات مستقرة تقدم ميزات غير موجودة في عملات المصارف المركزية، منها معدلات فائدة أعلى، ومكافآت استرداد نقود عند الشراء. إذا كانت صعوبة التبديل بين العملات الرقمية أصغرية، سيزدهر عالم العملات المستقرة ليكون مصدرًا لمرونة الائتمان أو الإقراض. ستصدر البنوك قروضًا، وتسجّلها أصولًا في ميزانياتها، وتصدر عملات مستقرة بدلًا من الودائع في قسم المسؤوليات. ستزيد البنوك شفافيتها وتجدد استحقاقها للثقة باعتماد السجلات الموزعة، وبالانتقال إلى ميزانيات ديناميكية تتيح للمستثمرين أن يروا معدلات رؤوس أموالهم مباشرة بدلًا من إصدار التقارير الثابتة في نهاية كل ربع. من أجل دخول النظام النقدي المستقبلي، لا بد للبنوك أن تصدر عملاتها المستقرة القابلة للتبديل الذري مع العملات المستقرة الأخرى وعملات المصارف المركزي والبتكوين. ستصبح البنوك سيدة التبديلات الذرية، وتبني الأسواق بين العملات الرقمية لكي تُراجح وتولد أرباحًا. إن التبديلات الذّرّيّة والتسوية المباشرة بين العملات الرقمية هما طريق الانتقال إلى نظام نقدي مرتبط بالبتكوين.

ستشتري الحكومات والشركات حول العالم البتك وتجعله احتياطيًّا لها لتقلل اعتمادها على نظام الدولار الحالي، وهو ما يدل على انتهاء عصر التقويم بالدولار وابتداء عصر العملات الرقمية، لا عصر الرنمينبي ولا اليورو. سيبقى الذهب نقدًا حياديًّا موثوقًا، ولكنه لن يستطيع أن يكون مسارًا للمدفوعات في النظام المالي الرقمي. ولكن هذا ليس رفضًا للذهب، فالذهب أفضل نقد خالٍ من خطر التخلف عرفه العالم: لم يجمع البتكوين سوى 6% من قيمة الذهب السوقية حول العالم. بل إن دور الذهب النقدي العالمي عاد ليظهر منذ 2007، إذ زادت المصارف المركزية حول العالم حيازتها من الذهب تحوّطًا من اضطراب نظام الدولار وهشاشته. الذهب ضمان من الاضطراب النقدي، يحتمل أقوى الزلازل التي قد تحل بنظام الدولار. ولكن مادّيّة الذهب تمنعه من الازدهار في العالم الرقمي الذي يزدهر فيه البتكوين. في النهاية، سيحل البتكوين محل الذهب بوصفه النقد الحيادي الأكثر طلبًا في العالم، وسيجاوزه في القيمة السوقية الإجمالية.

ستصبح النقود كلها نقودًا رقمية يحملها الناس في محافظ رقمية. سيحمل الناس في الوقت نفسه تشكيلة من العملات: البتك للحيادية، وعملات المصارف المركزية لدفع الضرائب وجمع الفوائد، والعملات المستقرة لاكتساب الفائدة. سيعتمد كثير من الناس على عملات المصارف المركزية ويتخلون عن ودائع البنوك في الطبقة الثالثة. سيعتمد عدد متزايد من الناس اعتمادًا كلّيًّا على عملات غير حكومية مثل البتك، ولن يعرّضوا أنفسهم مطلقًا لخطر التخلف.

نقد بالاختيار

إن عالمنا متعدد الأقطاب يتطلع إلى تجديد نقدي، وهو ما يقدمه البتكوين. ستقاوم بعض البلدان، وستنجح بعض المصارف المركزية في إبعاد البتكوين عن بلدانها لأنها تهدد سلطتها. ولكن حرية التقويم بالعملات ستظهر في النهاية، سواء أتت من الملاذات المصرفية في أوروبا، أو مراكز الأموال الأجنبية في الكاريبي، أو الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. لقد ولّت الأيام التي يستعمل فيها الإنسان عملة من العملات لمجرّد اعتماد دولته لها. لن يكون في العالم الرقمي أبدًا عملة تثبت مناعتها من الفساد كالبتكوين، فالمناقلات في البتكوين إذا تأكّدت استحال محوُها، وهو ما يجعل البتكوين أهم أداة للحرية المالية حول العالم. البتكوين هو اجتماع الإنترنت والنقد ليقدما تغييرًا شبيهًا بالتغيير الذي جاء به الإنترنت لعالم التواصل والتجارة.

عندما ننظر إلى أصل البتكوين من وجهة النظر النقدية الطبقية، نجد أنه اختراع لنقد من الطبقة الأولى. لقد كان البتكوين شيئًا يتطلع إليه العالم، ولسنا إلا في بداية فهم أثره. في المستقبل، لن تدل العملة التي تستعملها على مسقط رأسك أو دولة إقامتك، بل على تفضيلاتك. استعمل خريطة النقد الطبقي هذه لتحرر نفسك من قيود أسواق المال التقليدية ولتستكشف عالمًا العملات فيه حرة من القيود الجغرافية. ارجع إلى تصميم النقد الطبقي لترى أين يوجد النقد الذي تستعمله ولتمكّن نفسك من تحقيق حرية التقويم بالعملات بالإبحار في عالم النقد فيه بالاختيار.

شُكر وتقدير

أشكر زوجتي تشاندني لمشاركتها إيّاي في هذه الرحلة. أشكر والديّ اللذين شجعاني أن أتبع أحلامي، وأشكر جاي وكاشفي على دعمهما الثابت الدائم. أشكر فريقي الذي أثق به من المحررين والمسهمين الذين ساعدوني على جعل هذا الكتاب حقيقة: زوجتي وأبي و«360»، وفيكرام أمريتراج وسارة تساي وستيفن كول وجيسن دون ونيك كارتر وجيريمي ونيكيتا مكولز وبراكاش أرميتراج. أشكر محررة نسخي ومستشارة نشري كاثي سوتر على إسهاماتها القيمة. أشكر الموهوب أنتون خوداكوفسكي على إنجازه غلاف الكتاب ورسومه. أشكر الذين وثقوا بي مستشارًا ماليًّا، وأعطوني الفرصة للاتجار في سوق سندات الخزانة الأمريكية. أشكر البروفسور بيري مهرلنغ على ورقته «الهرمية الجوهرية في النقد»، التي بُني عليها إطار طبقات النقد. أشكر زولتان بوزار على بحثه في «مصفوفة النقد». أشكر جف سنيدر على بحثه المضيء في اليورودولار. أشكر ناس لإلهامه لي في كتابتي. وفي النهاية، أشكر كل من قرأ القيمة الوقتية للبتكوين.

معجم بالمصطلحات المستخدمة في الترجمة

Money

نَقْد

Cash

عَيْن (أو نقد عين)

Coin

سَكّ (مسكوكة)

Coinage

سِكّة

Security

سَنَد (أو صَكّ)

Fungibility

شرَوَية

BTC

بتك

Stablecoin

عملة مستقرة

CBDC

عملة مصرف مركزي رقمية (أو عملة رقمية تابعة لمصرف مركزي)

Finance

المال (أو أسواق المال)

Exchange

منصّة (أو سوق)

المراجع

Agueci, Paul, Leyla Alkan, Adam Copeland, Isaac Davis, Antoine Martin, Kate Pingitore, Caroline Prugar, Tyisha Rivas. “A Primer on the GCF Repo® Service,” Federal Reserve Bank of New York Staff Reports, no. 671, April 2014, revised May 2014. https://www.newyorkfed.org/medialibrary/media/research/staff_reports/sr671.pdfopen in new window

Bagehot, Walter. Lombard Street: A Description of the Money Market. New York: Scribner, Armstrong & Co, 1873.

Bank of Canada and Monetary Authority of Singapore. Jasper–Ubin Design Paper, “Enabling Cross-Border High Value Transfer Using Distributed Ledger Technologies,” 2019. https://www.accenture.com/_acnmedia/PDF-99/Accenture-Cross-Border-Distributed-Ledger-Technologies.pdfopen in new window

Bank of International Settlements. “Central bank digital currencies: foundational principles and core features, Bank of Canada, European Central Bank, Bank of Japan, Sveriges Riksbank, Swiss National Bank, Bank of England.” Board of Governors Federal Reserve System, Bank for International Settlements. Report no. 1, 2020. https://www.bis.org/publ/othp33.pdfopen in new window

Bao, Cecilia and Emma Paine. “Insights from the Federal Reserve’s Weekly Balance Sheet, 1942–1975,” Studies in Applied Economics, no.104, 2018. Johns Hopkins Institute for Applied Economics, Global Health, and the Study of Business Enterprise.

Bao, Cecilia, Justin Chen, Nicholas Fries, Andrew Gibson, Emma Paine and Kurt Schuler. “The Federal Reserve’s Weekly Balance Sheet since 1914,” Studies in Applied Economics, no.115, 2018. John’s Hopkins Institute for Applied Economics, Global Health, and the Study of Business Enterprise.

Blandin, Apolline, Dr. Gina Pieters, Yue Wu, Thomas Eisermann, Anton Dek, Sean Taylor, Damaris Njoki. “3rd Global Cryptoasset Benchmarking Study,” Cambridge Centre for Alternative Finance (CCAF) at the University of Cambridge Judge Business School, September 2020. https://www.jbs.cam.ac.uk/wp-content/uploads/2020/09/2020-ccaf-3rd-global-cryptoasset-benchmarking-study.pdf?v=1600941674open in new window

Board of Governors Department of Securities and of the Treasury Exchange Commission Federal Reserve System. “Joint Report on the Government Securities Market,” January 1992.  https://www.treasury.gov/resource-center/fin-mkts/Documents/gsr92rpt.pdfopen in new window

Bordo, Michael D., and Robert N. McCauley. “Triffin: Dilemma or Myth?” BIS Working Papers, no. 684. Monetary and Economic Department, Bank of International Settlements, December 2017. https://www.bis.org/publ/work684.pdfopen in new window

Bowsher, Norman N. “Repurchase Agreements” Federal Reserve Bank of St. Louis. September 1979. https://files.stlouisfed.org/files/htdocs/publications/review/79/09/Repurchase_Sep1979.pdfopen in new window

Broadbent, Ben (Deputy Governor for Monetary Policy, Bank of England). Speech on “Central Banks and Digital Currencies,” presented at the London School of Economics, March 2, 2016. https://www.bankofengland.co.uk/speech/2016/central-banks-and-digital-currenciesopen in new window

Carlos, Ann M. and Larry Neal. “Amsterdam and London as Financial Centers in the Eighteenth Century,” Financial History Review, vol. 18, issue 1, 2011.

Carney, Mark (Governor of the Bank of England). Speech on “The Growing Challenges for Monetary Policy in the Current International Monetary and Financial System,” Jackson Hole Symposium, August 23, 2019. https://www.bankofengland.co.uk/-/media/boe/files/speech/2019/the-growing-challenges-for-monetary-policy-speech-by-mark-carney.pdfopen in new window

Chen, Justin and Andrew Gibson. “Insights from the Federal Reserve’s Weekly Balance Sheet, 1914–1941,” Studies in Applied Economics, no. 73, 2017. Johns Hopkins Institute for Applied Economics, Global Health, and Study of Business Enterprise.

Ehrenberg, Richard. Capital and Finance in the Age of the Renaissance, London: Jonathan Cape, 1928.

Federal Reserve Act, H.R. 7837, 1913.

Federal Reserve Bank of Richmond. “The Gold Cover,” Monthly Review, The Federal National Mortgage Assn., Fifth District Ports-Virginia, The Fifth District, July 1968. https://fraser.stlouisfed.org/files/docs/publications/frbrichreview/rev_frbrich196807.pdfopen in new window

Ferguson, Niall. The Ascent of Money: A Financial History of the World. New York: Penguin Books, 2009.

Fleming, Michael J., and Klagge, Nicholas J. “The Federal Reserve’s Foreign Exchange Swap Lines,” in Economics and Finance, vol. 16, no. 4, April 2010. Federal Reserve Bank of New York. https://www.newyorkfed.org/medialibrary/media/research/current_issues/ci16-4.pdfopen in new window

Friedman, Milton. Money Mischief: Episodes in Monetary History. Houghton Mifflin Harcourt, 1994.

Friedman, Milton. “The Euro-dollar Market: Some First Principles.” Federal Reserve Bank of St Louis, July 1971. https://research.stlouisfed.org/publications/review/1971/07/01/the-euro-dollar-market-some-first-principles/open in new window

Fries, Nicholas. “Insights from the Federal Reserve’s Weekly Balance Sheet, 1976–2017.” Studies in Applied Economics, no. 114, 2018. Johns Hopkins Institute for Applied Economics, Global Health, and the Study of Business Enterprise.

Gleeson-White, Jane. Double Entry: How the Merchants of Venice Created Modern Finance. New York: W. W. Norton & Company, 2012.

Gold Coins of the Middle Ages. Deutsche Bundesbank Collection. Frankfurt, Germany.  https://www.bundesbank.de/resource/blob/607696/f54b6ee83efd2f79e35c9af6e9a3702d/mL/gold-coins-of-the-middle-ages-data.pdfopen in new window

Goldthwaite, Richard A. The Economy of Renaissance Florence. Maryland: Johns Hopkins University Press, 2009.

Grossman, Richard S. “The Origins of Banking,” in Unsettled Account: The Evolution of Banking in the Industrialized World since 1800. New Jersey: Princeton University Press, 2010. https://www.jstor.org/stable/j.ctt7sw7z.7open in new window

Harari, Yuval N. Sapiens : A Brief History of Humankind. New York: Harper, 2015.

Harris, Everette B. (President, Chicago Mercantile Exchange). “History of the Chicago Mercantile Exchange.” 1970. https://legacy.farmdoc.illinois.edu/irwin/archive/books/Futrs_Tradng_in_Livestck/Futures_Trading_in_%20Livestock_Part%20I_2.pdfopen in new window

Hearing before the Committee on Banking and Financial Services U.S. House of Representatives, One Hundred Fifth, Second Session, October 1, 1998. https://fraser.stlouisfed.org/title/policy-discussion-papers-federal-reserve-bank-cleveland-4514/lessons-rescue-long-term-capital-management-495652/fulltextopen in new window

Hearings before the Joint Economic Committee Congress of the United States, Eighty-Sixth Congress, First Session, October 26-30, 1959. https://www.jec.senate.gov/reports/86th%20Congress/Hearings/Constructive%20Suggestions%20for%20Reconciling%20and%20Simultaneously%20Obtaining%20the%20Three%20Objectives%20%28130%29.pdfopen in new window

Jefferson, Thomas. “Notes on the Establishment of a Money Unit, and of a Coinage for the United States,” 1784. https://founders.archives.gov/documents/Jefferson/01-07-02-0151-0005open in new window

Kindleberger, Charles P. “Power and Money.” The Politics of International Economics and the Economics of International Politics. New York: Macmillan, 1970.

Logan, Walter S. “Amendments to the Federal Reserve Act,” The Annals of the American Academy of Political and Social Science, vol. 99, Jan. 1922, The Federal Reserve System–Its Purpose and Work, Jan. 1922: 114–121. Sage Publications Inc., in association with the American Academy of Political and Social Science. http://www.jstor.com/stable/1014518open in new window

McCusker, John J. “The Demise of Distance: The Business Press and the Origins of the Information Revolution in the Early Modern Atlantic World,” The American Historical Review, vol. 110, no. 2, 2005: 295–321. https://www.jstor.org/stable/10.1086/531316open in new window

Mehrling, Perry. “The Inherent Hierarchy of Money,” January 25, 2012. https://ieor.columbia.edu/files/seasdepts/industrial-engineering-operations-research/pdf-files/Mehrling_P_FESeminar_Sp12-02.pdfopen in new window

Mehrling, Perry. The New Lombard Street: How the Fed Became the Dealer of Last Resort. New Jersey: Princeton University Press, 2010.

Murau, Steffen. “Offshore Dollar Creation and the Emergence of the Post-2008 International Monetary System,” IASS Discussion Paper, June 2018. Harvard University — Weatherhead Center for International Affairs; Institute for Advanced Sustainability Studies (IASS). https://publications.iass-potsdam.de/rest/items/item_3259914_4/component/file_3259926/contentopen in new window

Nakamoto, Satoshi. “Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System.” https://bitcoin.org/bitcoin.pdfopen in new window

Nakamoto Institute. “The Complete Satoshi,” 2008-2012. https://satoshi.nakamotoinstitute.org/open in new window

Office of the Comptroller of the Currency. Interpretive Letter 1174, “OCC Chief Counsel’s Interpretation on National Bank and Federal Savings Association Authority to Use Independent Node Verification Networks and Stablecoins for Payment Activities,” January 2021. https://www2.occ.gov/news-issuances/news-releases/2021/nr-occ-2021-2a.pdfopen in new window

Odell, Kerry, and Marc D. Weidenmier (Working Paper). “Real Shock, Monetary Aftershock: The 1906 San Francisco Earthquake and the Panic of 1907,” Claremont Colleges Working Papers in Economics, no. 2001-07. https://www.jstor.org/stable/3874987open in new window

Padgett, John F. “Country as Global Market: Netherlands, Calvinism, and the Joint-Stock Company,” in The Emergence of Organizations and Markets Book, authors John F. Padgett, and Walter W. Powell, New Jersey: Princeton University Press, 2012.  http://www.jstor.com/stable/j.ctt1r2fmz.15open in new window

Pozsar, Zoltan. “Shadow Banking: The Money View,” Office of Financial Research, U.S. Treasury Department, 2014. https://www.financialresearch.gov/working-papers/files/OFRwp2014-04_Pozsar_ShadowBankingTheMoneyView.pdfopen in new window

Quinn, Stephen, and William Roberds. “The Bank of Amsterdam and the Leap to Central Bank Money,” The American Economic Review, vol. 97, no. 2, 2007: 262–265. https://www.jstor.org/stable/30034457open in new window

Quinn, Stephen and William Roberds. “Death of a Reserve Currency,” Texas Christian University, Federal Reserve Bank of Atlanta. https://www.frbatlanta.org/-/media/documents/research/publications/wp/2014/wp1417.pdfopen in new window

Rickards, James. Currency Wars: The Making of the Next Global Crisis. Portfolio, 2012.

Roberds, William, and François R. Velde. “The Descent of Central Banks (1400–1815),” Federal Reserve Banks of Atlanta and Chicago, May 27, 2014.

Romer, Christina D. and David H. Romer. “A Rehabilitation of Monetary Policy in the 1950s, Working Paper 8800,” NBER Working Paper Series, National Bureau of Economic Research, 2002. http://www.nber.org/papers/w8800open in new window

Rothbard, Murray N. History of Money and Banking in the United States: The Colonial Era to World War II. Ludwig von Mises Institute, 2010.

Schubert, Eric S. “Innovations, Debts, and Bubbles: International Integration of Financial Markets in Western Europe, 1688-1720,” The Journal of Economic History, vol. 48, no. 2, 1988, The Tasks of Economic History June 1988: 299-306. Cambridge University Press on behalf of the Economic History Association. http://www.jstor.com/stable/2121172open in new window

Slivinski, Stephen. “Too Interconnected to Fail?” The Rescue of Long-Term Capital Management, Region Focus, Federal Reserve Bank of Richmond, Summer 2009. https://www.richmondfed.org/-/media/richmondfedorg/publications/research/econ_focus/2009/summer/pdf/economic_history.pdfopen in new window

Steil, Benn. The Battle of Bretton Woods: John Maynard Keynes, Harry Dexter White, and the Making of a New World Order. Princeton University Press, 2014.

Szabo, Nick. “Shelling Out: The Origins of Money,” 2002. https://nakamotoinstitute.org/shelling-out/open in new window

Taleb, Nassim. Antifragile: Things That Gain from Disorder. Random House, 2012.

Triffin, Robert. “Gold and the Dollar Crisis: Yesterday and Tomorrow,” Essays in International Finance, no. 132, December 1978. https://ies.princeton.edu/pdf/E132.pdfopen in new window

United States Court of Appeals, Ninth Circuit. Daniel J. Bernstein v. United States Department of State et al, 1997. https://caselaw.findlaw.com/us-9th-circuit/1317290.htmlopen in new window

Weber, Warren E. “Government and Private E-Money-Like Systems: Federal Reserve Notes and National Bank Notes,” CenFIS Working Paper, 15-03, August 2015. Federal Reserve Bank of Atlanta. https://www.frbatlanta.org/-/media/documents/cenfis/publications/wp/2015/1503.pdfopen in new window

Wee, Herman Van der. “Globalization, Core, and Periphery in the World Economy in the Late Middle Ages and Early Modern Times,” in Cores, Peripheries, and Globalization, edited by Peter Hans Reill and Balázs A. Szelényi. Central European University Press, 2011. http://www.jstor.com/stable/10.7829/j.ctt1282x8.14open in new window

Wee, Herman Van der. “International Business Finance and Monetary Policy in Western Europe, 1384-1410,” The Business History Review, vol. 43, no. 3, Autumn 1969: 372–380. http://www.jstor.com/stable/3112388open in new window

World Economic Forum. “Insight Report, Central Bank Digital Currency Policy‐Maker Toolkit,” Centre for the Fourth Industrial Revolution, 2020.  http://www3.weforum.org/docs/WEF_CBDC_Policymaker_Toolkit.pdfopen in new window


عن المؤلّف

نِك باتيا باحث في أسواق المال، ومحلل مالي معتمد، وأستاذ مساعد في كلية المال واقتصاد الأعمال في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، مدرسة مارشال للأعمال حيث يدرّس علوم المال التطبيقية في السندات ثابتة الدخل. من قبل، عمل نِك في غرفة تجارة سندات الخزانة الأمريكية بالنيابة عن شركة إدارة أصول كبيرة، واكتسب خبرة كبيرة في التجارة في أسواق المال وفي العقود الآجلة. بعد أن بدأ عمله في التعليم، شعر نك أنه يجب عليه جمع بحثه في النظام النقدي العالمي وفي البتكوين في بحث واحد سمّاه طبقات النقد: من الذهب والدولار إلى البتكوين وعملات المصارف المركزية الرقمية.  حاز نك شهادة بكلوريوس في العلوم الاجتماعية من جامعة كاليفورنيا الجنوبية وشهادة ماستر في علم أسواق المال من كلية آي إي للأعمال في مدريد، إسبانيا. يسكن نك في لوس أنجلوس، كاليفورنيا، مع زوجته وابنته الصغيرة.


LayeredMoney.com


[1] سابو

[2] البنك الاتحادي الألماني

[3] غولدثويت

[4] غولدثويت

[5] غليسون-وايت

[6] مصطلحات «هرمية المال»، و«هرمية الميزانيات»، و«الوازع»، كلها من ورقة بيري مهرلنغ الصادرة عام 2012 بعنوان «الهرمية الجوهرية في النقد»، التي يفصّل فيها الهرمية الحادثة في الأنظمة النقدية. هذه الورقة مؤسسة لإطار عمل هذا الكتاب.

[7]مكسكر

[8]بادجت

[9] إلى يومنا هذا، يدلّ مصطلح «الفضّة الإسترلينية» على الفضّة بنقاوة 92.5%.

[10] أونصة تروي أثقل بعُشر من الأونصة العادية. لم تزل هذه الأونصة تستعمل لقياس وزن المعادن النفيسة منذ القرن السادس عشر على الأقل. أوزان المعادن النفيسة المذكورة في هذا الكتاب مقيسة بأونصات تروي.

[11] أُلغي الأمر التنفيذي 6102 عام 1974 وعاد امتلاك الذهب متاحًا بالقانون.

[12] ينشئ الفدرالي الاحتياطيات بشراء سندات الخزانة من البنوك المتاجرة التي يسميها المتاجرين الأوليين. المتاجرون الأوليون ليسوا إلا امتدادًا لسياسة الاحتياطي الفدرالي النقدية لأنهم المتسلّمون الوحيدون لنقد الطبقة الثانية عندما ينتج الفدرالي احتياطيات جديدة.

[13] لقصيرات الأجل مدد استحقاق أقصاها 364 يومًا، أما طويلات الأجل فقد تبلغ مدة استحقاقها 30 عامًا.

[14] يشمل نظام الدولار الأمريكي الأجنبي كل البنوك خارج الولايات المتحدة وخارج سلطة نظام الاحتياطي الفدرالي، ولا يقتصر على بنوك أوروبا.

[15] في الشكل 13 تشمل يورودولارات الجملة الأدوات النقدية الصادرة من نظام الدولار الأجنبي، كاليورودولارات، وشهادات الإيداع، والأوراق التجارية.

[16] بيانات بنك التسويات الدولية

[17] أُلقي اللوم على تجارة المراجحة التي تجريها صناديق التحوط الكبيرة بين سندات الخزانة وعقود مشتقات الخزانة الآجلة، وقيل إنها هي التي أدت إلى الاضطرابات الكبيرة في سوق سندات الخزانة في مارس 2020، ولكن النقاش في هذا الأمر لم يحسم بعد.

[18] قدّرت دراسة في جامعة كامبريدج وجود 101 مليون «مستخدم للأصول التشفيرية» في أكثر من 191 مليون حساب عالميًّا في سبتمبر 2020.

[19] سيستعمل هذا الكتاب الضمير المذكر عند الحديث عن ساتوشي ناكاموتو، طلبًا للبساطة، مع الإقرار بأن هويته تبقى مجهولة.

[20] يستعمل البتكوين نوعًا مخصوصًا من SHA2 هو SHA-256

[21] في كل بتكة 100 مليون ساتوشي. الساتوشيات هي الوحدة الدنيا للبتك (كالسنتات والدولار). 21 مليون بتكة = 2,100,000,000,000,000 ساتوشية.

[22]http://p2pfoundation.ning.com/forum/topics/bitcoin-open-sourceopen in new window

[23]https://bitcointalk.org/index.php?topic=2500.70;wap2open in new window

[24] القيمة السوقية الإجمالية للبتك = سعر البتك\الدولار * معروض البتك الحالي

[25] بافتراض أن قيمة الذهب السوقية 10 تريليونات دولار، وأن معروض البتك 20 مليون بتكة (وهو المقدَّر وجوده في 2025)

[26] انظر اقتراح تطوير البتكوين 65 واقتراحات تطوير البتكوين 68 و112 و113، واقتراحات تطوير البتكوين 141 و143 و147

[27] مكتب مراقبة العملة، الرسالة التفسيرية 1174.